عن الشيخ --> قالوا عن الشيخ
الدكتور علي محمد الصلابي
الشيخ العلامة عبد الكريم زيدان (رحمه الله) كما عرفته في اليمن: رحلة عالم رباني من بغداد إلى صنعاء، وملامح مشروعه الفقهي والأصولي والدعوي في خدمة الإسلام والأمة
بقلم: د. علي محمد الصلابي
كانت معرفتي بالشيخ عبد الكريم زيدان من خلال كتبه التي انتشرت في الآفاق قبل وصولي إلى اليمن، منها كتابه: (أحكام الذمّيّين والمستأمَنين في الإسلام)، وهو رسالة دكتوراه من جامعة القاهرة، وكتاب (أصول الدعوة)، وكتابه (السنن الإلهيّة في الأمم والجماعات)، و(المستفاد من قصص القرآن)، وكتاب (أصول الفقه)، وعندما سكنت اليمن السعيد كان من الأعلام المشهورين في اليمن، وحظي باحترام كبير عند علمائها وطلّاب العلم فيها، وأشرف على الكثير من الرسائل الجامعيّة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، ودرّس في جامعة صنعاء، وجامعة الإيمان، ومن أشهر تلاميذه: أخي و صديقي وشيخي الدكتور فضل عبد الله مراد، فقيه اليمن، فقد قرأ على الشيخ عبد الكريم كتاب (بدائع الصنائع) في الفقه الحنفيّ للكاسانيّ، وزرته في بيته وسألته كثيراً سؤال التلميذ للأستاذ، واستفدتّ من علمه وقفهه، وقدّم لي خارطة طريق في كتابة عهد الخلفاء الراشدين، حيث ركّز على أهمّ المحطّات فيها
.
ففي عهد أبي بكر الصدّيق (رضي الله عنه) قال لي الشيخ: " إبراز ما حدث في سقيفة بني ساعدة، وكيف تمّ اختيار الصدّيق (رضي الله عنه)، ولابدّ من التركيز على حروب الردّة وفقه الصدّيق، وأضاف أهل الردّة، والجمع بين المادّة التاريخيّة والفقهيّة والاسترشاد بها وربطها بواقعنا
.
وفي عهد عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه): أرشدني إلى التركيز على مؤسّسات الدولة: مؤسّسة الحكم، والمال، والإدارة، والقضاء، والمدارس الفقهيّة، وديوان الجند، والتركيز على سنن الله في حركة الشعوب والأمم .. الخ
.
في عهد عثمان بن عفّان (رضي الله عنه): جمع الشبهات التي اتُّهم بها وردّها، وأسباب مقتله، وكيف تعاملت الأمّة مع هذا الحدث الجلل
.
وفي عهد عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): تنقية الروايات في معركة الجمل وصفّين، واستخراج فقه قتال البغاة، وموقف أمير المؤمنين من الخوارج، ومثل هذه الدروس والنصائح الثمينة
.
وقد قرأت (المفصّل في فقه المرأة) وهو في مجلّدات، وأخذ عليه جائزة الملك فيصل في الفقه، وكان شيخنا عبد الكريم زيدان - رحمه الله - حنفيّاً، ولكنّه كان يدرس كلّ المذاهب، ويوازن بينها، ويختار منها ما هو أصحّ وأرجح في نظره، لذا فقد كان يتبع الدليل، ويسير مع الدليل، وهو مع فقهه كان داعية، ووضع الله لكتبه الفقهيّة والدعويّة قبولاً، ودخلت في مناهج الجامعات الإسلاميّة في العالم الإسلاميّ
.
عندما زرته والتقيت به وتعرّفت عليه كان في التاسعة والسبعين من عمره - رحمه الله - وكانت معه عدسة مكبّرة يقرأ بها ويكتب بها، وكان له حال ربّانيّ، وزهد ظاهر في متاع الدنيا، واختار اليمن تبرّكاً بأحاديث الرسول ﷺ ومحبّة لها ولأهلها، وكان معزّزاً مكرّماً عند اليمنيّين، عرفوا فضله ومكانته العلميّة فحرصوا على التتلمذ على يديه، وهذه ترجمته - رحمه الله
-:
ويمثّل عبد الكريم زيدان أحد أبرز أعلام الفقه الإسلاميّ في القرن العشرين، وهو من الشخصيّات التي شكّلت حلقة انتقاليّة بين الفقه التقليديّ والفقه الأكاديميّ الحديث
.
لم يكن مجرّد فقيه يشرح المتون، بل كان صاحب مشروع علميّ واعٍ، سعى إلى إعادة صياغة العلوم الشرعيّة ضمن نسق منهجيّ منظّم قادر على التفاعل مع الدولة الحديثة ومؤسّساتها القانونية
.
اسمه ونسبه
:
هو العلّامة والشيخ الأصوليّ الدكتور عبد الكريم زيدان بيج العانيّ الكحليّ المحمديّ
.
مولده ونشأته
:
وُلد في بغداد بجانب الكرخ في منطقة سوق حمادة في العراق، وذلك في عام 1339ه - 1921م، وهناك من يرى أن ولادته عام 1917م بناء على الوثائق الرسمية المسجلة له، ويُعد الدكتور عبد الكريم زيدان أصغر إخوته البنين والبنات
.
وعاش يتيم الأب فقد توفّي والده وهو في الثالثة من العمر، فحفظ القرآن الكريم في أحد كتاتيب تعليم القرآن الأهليّة، وأكمل دراسته الأوّلية في بغداد، حيث التحق بمدارس بغداد، ثمّ عمل معلّماً في سنّ مبكّرة، وهو ما أكسبه خبرة تربويّة مبكّرة انعكست لاحقاً في منهجه في التأليف والتدريس
.
طلبه للعلم
:
تعلّم القرآن وهو صغير كما أسلفنا سابقاً، ثمّ درس الابتدائيّة والمتوسطّة والثانويّة قسم الأدبيّ في مدرسة الكرخ، ومن ثمّ عمل مدرّساً لحاجة عائلته للكسب، وبعد ذلك التحق بكلّيّة الحقوق، وثمّ انتسابه إليها في القسم المسائيّ لأنّه كان لا يزال في سلك التعليم الابتدائيّ، وتخرّج من كلّيّة الحقوق في سنة 1950م، وكان من الأوائل بين الناجحين في السنوات الأربعة في الدراسة
.
وقد حصل على درجة ليسانس في الحقوق بتقدير جيّد، ثمّ سجّل موضوع رسالته للدّكتوراه في كلّيّة حقوق، جامعة القاهرة، وكان الموضوع بعنوان: (أحكام الذمّيّين والمستأمّنين في دار الإسلام)، ومن خلاله مُنح درجة الدكتوراه في الحقوق في الشريعة الإسلاميّة بمرتبة الشرف الأولى
.
وكان للدكتور عبد الكريم زيدان دراسات خاصّة في الفقه الإسلاميّ، ومراجعه المهمّة، ولاسيما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان شغوفاً في قراءة كتبه، حتّى أنّه قرأ جميع كتبه، وكذلك تلميذه ابن قيّم الجوزيّة، وللدكتور عبد الكريم أيضاً مدارسات ومناقشات مع أهل العلم في مسائل الفقه الإسلاميّ، قبل وبعد التحاقه بمعهد الشريعة الإسلاميّة بجامعة القاهرة
.
شيوخه وتأثيراتهم الفكريّة
:
وتلقّى العلم بطريقيه الأكاديميّ والتقليديّ مستفيداً من المشايخ والأساتذة العراقيّين والمصريّين من أمثال
:
الشيخ أمجد الزهاويّ,
والشيخ عبد القادر الخطيب,
والشيخ نجم الدين الواعظ
.,
والشيخ محمّد محمود الصوّاف
.,
والشيخ عليّ الخفيف
.,
والشيخ محمّد أبو زهرة
.,
والشيخ حسن مأمون,
والشيخ عبد الكريم الصاعقة.
الوظائف والمسؤوليّات
:
انتقل من سلك التعليم الابتدائيّ إلى سلك التعليم في المدارس المتوسطّة والثانويّة، وشغل الوظائف التالية
:
تدريس مادّة (الدين) في مدرسة الأعظميّة لفترة بسيطة، ومن بعدها في ثانوية الكرخ
.
في سنة 1953م عُيّن مديراً للثانويّة النجيبة
.
بعدها شغل وظيفة مفتّش في وزارة الأوقاف، ثمّ مديراً لأوقاف ديالي، ثمّ مديراً للثانويّة الدينيّة
.
وقد عُيّن مدرّساً معيداً في كلّيّة الحقوق بجامعة بغداد في سنة 1960م
.
أستاذ الشريعة الإسلاميّة ورئيس قسمها بكلّيّة الحقوق، جامعة بغداد سابقاً
.
أستاذ الشريعة ورئيس قسم الدين بكلّيّة الآداب، جامعة بغداد سابقاً
.
أستاذ الشريعة الإسلاميّة بكلّيّة الدراسات الإسلاميّة ببغداد وعميدها سابقاً
.
أستاذ الشريعة الإسلاميّة بقسم الدراسات الإسلاميّة ودراسة الماجستير بجامعة صنعاء
.
أستاذ الشريعة الإسلاميّة بقسم الفقه وأصوله بجامعة الإيمان صنعاء
.
عضواً في لجنة التحكيم لنيل جائزة هائل سعيد أنعم للعلوم والآداب عام 1998م
.
عضواً في مجلس الأمناء جامعة الإيمان منذ 3 / 2 / 1420ه
.
عضو مجلس المجمّع الفقهيّ الإسلاميّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ في مكّة المكرّمة منذ 13 / 12 / 2000م
.
عُيّن وزيراً للأوقاف في الوزارة التي قامت بعد انقلاب 1968م
.
المشاركات والندوات العلميّة
:
للدكتور عبد الكريم زيدان علاقته الكثير من المشاركات والإسهامات العلميّة نذكر منها
:
شارك في موسوعة الفقه الإسلاميّ التي أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة في الكويت، وذلك عن طريق استكتاب بعض المواضيع فيها
.
شارك في الحلقة الثالثة للقانون والعلوم السياسيّة المنعقدة ببغداد سنة 1969م برعاية جامعة الدول العربيّة، وألقى بحثاً فيها في القانون الدوليّ العامّ في الشريعة الإسلاميّة
.
إلقاء محاضرات في الشريعة الإسلاميّة في دولة الكويت في الستينيّات من القرن الماضي
.
حضور المؤتمر الفقهيّ في الرياض في السبعينات ممثّلاً لجامعة بغداد، وألقى فيه بحثاً بعنوان: (قيود الملكيّة الخاصّة الواردة في الشريعة الإسلاميّة)
.
كما ألقى محاضرات في أسبوع الفقه الإسلاميّ بدولة قطر سنة 1995 و1996م
.
الاشتراك في ندوة إثبات الأهلّة وحكم المراصد الفلكيّة المقامة بصنعاء في يناير 1996م
.
والاشتراك في مؤتمر البنوك الإسلاميّة الأوّل المُقام في صنعاء 1997م
.
حاز على كتابه (المفصّل في أحكام المرأة والبيت المسلم) جائزة الملك فيصل العالميّة في الدراسات الإسلاميّة سنة 1997م، وهو يتألّف من 11 مجلّداً
.
نشاطه السياسيّ والدعويّ
:
جمع زيدان إلى وظائفه في التدريس نشاطاً دعويّاً امتدّ سنين عديدة، فكان يلقي محاضراته العامّة في جامع الأزبك ببغداد، كما أسّس في نهاية الستينيّات كلّيّة الدراسات الإسلاميّة في بغداد
.
يُعتبر من أبرز منظّري الفقه الإسلاميّ في العصر الحديث، حيث شارك في عدد من الملتقيات والمؤتمرات الفقهيّة في عدد من الدول العربيّة والإسلاميّة، كما ساهم في تحرير مواد موسوعة الفقه الإسلاميّ الكويتيّة، وكان عضواً في عدد من المجامع الفقهيّة، كالمجمّع الفقهيّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ، وقدّم دروساً مختلفة عبر برامج إذاعة القرآن الكريم في السعوديّة
.
وفي المجال السياسيّ اختاره مجلس شورى حركة الإخوان المسلمين بالعراق مراقباً عامّاً للحركة سنة 1960م، وعند وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وحدوث التضييق على الإخوان أصدر قراراً إلى الإخوان بتغيير صيغة العمل من صيغة العمل الدعويّ الجماعيّ إلى صيغة العمل الدعويّ الفرديّ بما يتوافق مع الواقع الجديد
.
واستمرّ في موقعه هذا رغم حظر نشاط الحركة في البلاد تحت حكم حزب البعث حتّى تسعينيّات القرن الماضي، إذ اضطرّته الظروف السياسيّة في العراق إلى العيش في الخارج فذهب إلى اليمن
.
يعد موقف الشيخ العلامة عبد الكريم زيدان العراقي من المشاركة في الانتخابات البرلمانية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق من القضايا المهمة التي تستحق دراسة مستقلة؛ لما تكشف عنه من دقة منهجه الفقهي، وعمق نظره في مآلات العمل السياسي، وقدرته على مراجعة الحكم الاجتهادي عند تغير الواقع الذي بني عليه
.
ففي الفتوى التي أصدرها الشيخ بتاريخ 30 ديسمبر 2004، قبيل انتخابات الجمعية الوطنية العراقية التي جرت في يناير 2005، أجاز للعراقيين المشاركة في الانتخابات، ورأى أنها قد ترتقي إلى الوجوب إذا كانت وسيلة إلى تحقيق مصالح عامة، والدفاع عن حقوق الناس، ورفع شيء من الظلم الواقع عليهم، وتقليل المفاسد بقدر المستطاع. ولم يكن هذا الجواز عنده إقرارا مطلقا بالنظام السياسي الذي نشأ في ظل الاحتلال، ولا حكما عاما يصلح لكل انتخابات وفي جميع الظروف، وإنما كان اجتهادا مرتبطا بواقع استثنائي، قائما على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وعلى رجحان إمكان تحقيق منفعة حقيقية من المشاركة
.
وقد ربط الشيخ موقفه بجملة من الاعتبارات والشروط، يمكن تلخيص مضمونها في ثلاثة أصول كبرى: أن تفضي المشاركة إلى مصلحة معتبرة للشعب العراقي، وأن تمكن النواب من دفع شيء من الظلم والضرر عن الناس، وأن يكون أثر المشاركة في تقليل المفاسد أرجح من المفاسد المترتبة عليها. ولذلك لم تكن فتواه تفويضا مفتوحا للحركات والأحزاب الإسلامية كي تستمر في العملية السياسية مهما تغيرت الظروف، بل كانت رخصة اجتهادية معلقة على تحقق مناطها وشروطها
.
وتبرز أهمية موقف الشيخ بصورة أوضح فيما نقل عنه لاحقا، عام 2006، من عدم جواز الاستمرار في المشاركة بعد أن تبين له أن الشروط والآمال التي بنيت عليها فتواه الأولى لم تتحقق على الوجه المقصود. فقد أظهرت التجربة أن الوجود البرلماني لم يمنع استمرار الظلم، ولم يحقق القدرة المطلوبة على حماية الناس، كما لم يؤد إلى إصلاح حقيقي للعملية السياسية أو تقليل مفاسدها بما يوازن ما ترتب على المشاركة من أضرار وتنازلات. وبذلك تغير تقديره للمصلحة والمفسدة، فتغير الحكم المبني عليهما
.
ولا يمثل هذا الانتقال تناقضا في موقف الشيخ، كما قد يتوهم بعضهم، بل يعبر عن انضباط فقهي واضح؛ لأن الفتوى تتغير بتغير الوقائع والأحوال والمآلات التي بنيت عليها. فإذا كان جواز المشاركة معلقا على تحقق شروط معينة، ثم كشفت التجربة عن عدم تحققها، فإن بقاء الحكم الأول رغم زوال علته هو الذي يحتاج إلى مراجعة. أما تغيير الفتوى تبعا لتغير مناطها، فهو من صميم الاجتهاد الفقهي الرشيد
.
غير أن المؤسف أن بعض قادة الحركة الإسلامية في العراق لم يتعاملوا مع الفتوى الثانية بالقدر نفسه من الالتزام الذي أظهروه تجاه الفتوى الأولى. فقد وجدوا في الفتوى الأولى غطاء شرعيا للدخول في العملية السياسية، ثم لم يقبل بعضهم مراجعة الشيخ عندما تغير تقديره لها. ويبدو أن الحسابات الحزبية، والمحافظة على المواقع السياسية، والخشية من فقدان التمثيل البرلماني، والاعتقاد بإمكان إصلاح التجربة من داخلها، قد غلبت على مقتضيات المراجعة الشرعية والسياسية
.
ظل الشيخ عبد الكريم زيدان، على الرغم من غربته وبعده عن وطنه، متابعاً بدقة لما يجري في العراق، حاضراً بفتاواه وبياناته في المنعطفات الكبرى التي مر بها البلد. ولم يكن اهتمامه بالشأن العراقي موقفاً عاطفياً عابراً، وإنما انطلق من شعوره بالمسؤولية الشرعية والوطنية تجاه ما يتعرض له العراقيون من ظلم واضطراب سياسي وأمني
.
وفي 31 ديسمبر/كانون الأول 2012م، أصدر الشيخ بياناً اتخذ طابع الفتوى الشرعية بشأن الاعتصامات الشعبية التي شهدتها محافظات عراقية عدة. وأكد فيه أن مطالب المعتصمين مطالب مشروعة يقرها الشرع؛ لأنها قامت في مواجهة مظاهر الظلم المعلن والمطالبة برفعه، وعد مناصرة هذه الاعتصامات والوقوف إلى جانب أصحابها واجباً شرعياً بحسب الاستطاعة
.
وكما دعا المعتصمين، الذين وصفهم بـ«أهل الحق»، إلى التمسك بوحدة الصف، والصبر والثبات، ونبذ الخلافات التي قد تضعف حركتهم أو تشتت مطالبهم. وكان الشيخ يدرك أن الخلافات الداخلية، وتعدد القيادات، وتنازع التوجهات السياسية والحزبية، يمكن أن تستنزف قوة الاعتصامات وتحرفها عن أهدافها الأساسية؛ ولذلك جعل وحدة الموقف من أهم أسباب نجاحها
.
ويكشف هذا البيان عن استمرار الشيخ في ممارسة دوره العلمي والوطني حتى أواخر حياته؛ إذ لم يعزله مقامه في اليمن عن هموم العراق، ولم يمنعه تقدمه في السن من إعلان موقفه تجاه الظلم الواقع على أبناء بلده. وكما ينسجم موقفه من اعتصامات عام 2012م مع منهجه العام في فقه السياسة الشرعية، القائم على وجوب رفع الظلم، وحماية حقوق الناس، وتحقيق المصالح العامة، وتقليل المفاسد بقدر الاستطاعة
.
وعند وضع هذا البيان إلى جانب مواقفه السابقة من الانتخابات والعمل السياسي، تتضح وحدة منهجه، وإن اختلفت أحكامه باختلاف الوقائع. فقد أجاز المشاركة في انتخابات عام 2005م عندما غلب على ظنه أنها قد تساعد على حماية الناس وتقليل الظلم، ثم راجع موقفه عندما لم تتحقق الشروط والمصالح التي بني عليها ذلك الاجتهاد. وبعد سنوات، أيد الاعتصامات الشعبية عندما رأى فيها وسيلة مشروعة لمواجهة الظلم والمطالبة بالحقوق
.
وهذا يدل على أن الشيخ لم يكن أسير وسيلة سياسية واحدة، ولم يمنح الانتخابات أو الأحزاب أو الاعتصامات مشروعية مطلقة؛ وإنما كان ينظر في كل وسيلة من خلال غايتها ونتائجها ومآلاتها. فالانتخابات عنده ليست مقصودة لذاتها، كما أن الاعتصامات ليست غاية مستقلة، وإنما تكتسب الوسائل مشروعيتها بقدر ما تحققه من مصالح معتبرة، وما ترفعه من ظلم، وما تدفعه من مفاسد
.
وبناء على ذلك، فإن مواقف الشيخ عبد الكريم زيدان من تطورات العراق تمثل نموذجاً للفقيه الذي يربط الحكم الشرعي بالواقع، ويراقب نتائج الاجتهاد، ولا يتردد في مراجعته عند تغير أسبابه أو انتفاء شروطه. كما تكشف عن مفارقة جديرة بالدراسة: فقد احتفى بعض قادة الحركة الإسلامية بفتواه حين أجاز المشاركة السياسية، ثم لم يظهروا الالتزام نفسه عندما تغير تقديره، ولم يتفاعلوا بالقدر المطلوب مع دعوته اللاحقة إلى مناصرة مطالب المعتصمين ووحدة صفهم
.
مؤلّفاته
:
كان للشيخ باع طويل في مجال التأليف، حيث اتّسمت كتبه بالمنهجيّة الراسخة، والتأصيل الشرعيّ العميق لمعالجة قضايا الواقع، وتنوّعت مؤلّفات الراحل بين الفقه وأصوله، والدراسات القرآنيّة، والحديث، والدعوة، والسياسة، والعقيدة، والنظم، والقانون، حيث ترك نحو 30 كتاباً تناول فيها مختلف المسائل والنظريّات والقضايا، و35 بحثاً، وعشرات المقالات والرسائل، ومن أبرز مؤلّفاته
:
- الوجيز في أصول الفقه: من أشهر مقرّرات أصول الفقه في الجامعات، ويعتبر مدخلاً منظّماً للطلّاب، ويبسّط المنهج الأصوليّ الحديث، ويربطه بالمنهج القانونيّ
.
- المدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة: يقدّم قراءة متكاملة للشريعة، ويوسّع من فهم الطلّاب لبنية النظام الإسلاميّ، وقضايا الإنسان، والمجتمع
.
- أصول الدعوة: يُعدّ من أوائل الكتب التي نظمّت العمل الدعويّ، وربطته بالمنهج الإسلاميّ، وفلسفة الإصلاح، وحاجة المجتمعات المعاصرة
.
- نظام القضاء في الشريعة الإسلاميّة: يقدّم قراءة مقارنة بين الشريعة والقانون، ويتناول قضايا القضاء في الدولة الإسلاميّة، ودور القاضي، وحقوق الناس
.
- المفصّل في أحكام المرأة والبيت المسلم: في أحد عشر مجلّداً، يُعدّ من أعمق الدراسات في قضايا الأسرة، ويعكس تأثيره في طلّابه ومؤلّفيه، وحصل على جائزة الملك فيصل العالميّة
.
- الكفالة والحوالة في الفقه المقارن
.
- الشريعة الإسلاميّة والقانون الدوليّ العامّ
.
- الاختلاف في الشريعة الإسلاميّة
.
- موقف الشريعة الإسلاميّة من الرقّ
.
- عقيدة القضاء والقدر وأثرها في سلوك الفرد
.
- الفرد والدولة في الشريعة
.
- الشرح العراقيّ للأصول العشرين
.
- اللُّقطة وأحكامها في الشريعة الإسلاميّة
.
- أحكام اللَّقيط في الشريعة الإسلاميّة
.
- حالة الضرورة في الشريعة الإسلاميّة
.
- العقوبة في الشريعة الإسلاميّة
.
- حقوق الأفراد في دار الإسلام
.
- أحكام الذمّيّين والمستأمَنين في دار الإسلام
.
ويمكن تلخيص ملامح كتاباته في: الوضوح المنهجيّ، الطابع التعليميّ، والجمع بين الفقه النظريّ والتطبيق في الواقع المعاصر
.
منهجه العلميّ وتأثيره في الفكر الإسلاميّ
:
خالط الدكتور عبد الكريم زيدان في أوّل شبابه بعض الطرق الصوفيّة، وبعد اطّلاعه في الأربعينيّات على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية أصبح يصف نفسه بأنّه: "سلفيّ العقيدة، حنبليّ المذهب"، ثمّ انضمّ في مطلع الخمسينيّات إلى حركة الإخوان المسلمين بالعراق التي جذبته مبادؤها الفكريّة، والتي ظلّ بها حتّى آخر حياته
.
وظلّ زيدان أصوليّاً، فقيهاً، قانونيّاً، سياسيّاً، عقيديّاً، داعيةً، ربانيّاً، عالماً، عاملاً، جامعاً بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر، مرتبطاً بالأصل ومتّصلاً بالعصر، ينظر بعين على نصوص الشريعة، وبالعين الأخرى على تطوّر الواقع ومجرياته، فجاء فقهه وإنتاجه العلميّ حيّاً، نافعاّ، خالداً، انتفع به الفقهاء، والقانونيّون، والأصوليّون، والدعاة، والسياسيّون، وغيرهم من أهل التخصّصات المختلفة
.
وتميّزت مؤلّفاته بالعمق العلميّ، والتأصيل الشرعيّ، والمنهجيّة الراسخة، والتناول العميق، والوعي بالواقع، والملاءمة بينه وبين الشرع بما لا يخالف الأصول والكلّيّات، فجاءت اجتهاداته على قدَر مع الواقع متميّزة، نافعة، مفيدة، سدّت خللاً، وجبرت نقصاً، وزيّنت المكتبة الأصوليّة والفقهيّة
.
وكان الدكتور زيدان إماماً في الدعوة إلى الله، وأفنى عمره، وعمى بصره، واحدودب ظهره، وارتعشت يده في سبيل الدعوة الإسلاميّة وخدمتها، وهو ممّن كانوا يدعون إلى الله على بصيرة، ويتّضح ذلك في كتبه، مثل: (أصول الدعوة)، و(المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة)، و(السنن الإلهيّة في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلاميّة)
.
وعمد إلى التعريف بالأديان في القرآن، وأثرها في خدمة الدعوة الإسلاميّة، وأيضاً بيان أركان الدعوة الإسلاميّة، وأنواعها، وأساليبها، ووسائلها، ومصادرها، ومعوّقاتها، بالإضافة إلى الحديث عن أخلاق الدعاة
.
وفي حقل التربية، أكّد أنّه لا يجوز قصر الأخلاق على ما تعارف عليه الناس من كلام ليّن، وبشاشة في الوجه، وتواضع، بل إنّ دائرة الأخلاق واسعة جدّاً، فكلّ ما دعا إليه القرآن من صفات جميلة، وأخلاق كريمة يدخل في مفهوم الأخلاق
.
وأجاب عن سؤال عمّن يعمل من أجل تقسيم العراق تحت عنوان (الفيدراليّة)، أو (الإقليم) لبعض المحافظات، كمحافظة الأنبار والموصل مثلاً بقوله: "يعدّ هذا العمل من قبيل المنكر الذي تجب إزالته، ولا يساعد من يعمل به بأيّة مساعدة من القول، أو الفعل، أو التأييد، أو المدح، بل يستحقّ المقاطعة والهجر، ويعتبر ذلك من المعاصي الكبيرة التي يعزّر صاحبها
".
وعن حكم الفيدرالية قال: "هذه باطلة، وتقسيم لأرض العراق، والإسلام يأمر بتوحيد بلاد الإسلام وليس تقسيمها"، ووصفته هيئة علماء المسلمين بأنّه كان رمزاً من الرموز العلميّة والفكريّة في العالم الإسلاميّ، مؤكّدة أنّه كان مدافعاً بالكلمة الشجاعة عن حقوق الأمّة الإسلاميّة وقضاياها العادلة، وحريصاً على وحدة العراق أرضاً وشعباً
.
وأيضاً تجلّت جهوده الفقهيّة في عدّة كتب من مؤلّفاته، ولكن يأتي في القمّة منها كتابه الموسوعيّ الرصين: (المفصّل في أحكام المرأة وبيت المسلم في الشريعة الإسلاميّة) الذي يظهر إيثاره تجنّب التكلّف والتوسّع في التأويل بدون دليل
.
وبخلفيّة الدكتور زيدان الأصوليّة القانونيّة تجده بارعاً في الكثير من المسائل التي لا يكون الأصل الذي تخرج عليه ظاهراً لا يكتفي بعرض الآراء النهائيّة للفقهاء فيها فحسب، بل يخرج المسألة على أصلها ويعود بها إلى القواعد التي لها مساس بها، أمّا المسائل التي يتنازعها أكثر من أصل فيحقّق إلى أيّ الأصول هي أشبه قبل أن يرجّح الحكم النهائيّ لها
.
وأوجب إلزام الشورى على القائد، والنزول على رأي الأكثريّة لقوله: "الأخذ برأي رئيس الدولة سديد من الناحية النظريّة، ولكن نظراً لضرورات الواقع، وتغيّر النفوس، ورقّة الدين، وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين، كلّ هذا يقتضينا أن نلزم رئيس الدولة برأي الأكثريّة بشروط، الأوّل: إذا لم يقتنع رئيس الدولة برأي الأكثريّة فله أن يحيل الخلاف إلى هيئة التحكيم، والثاني: إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم، فله إجراء استفتاء عامّ حول موضوع الخلاف، الثالث: أن يعطي حرّيّة اتّباع الرأي الذي يراه في الأحوال الاستثنائيّة كحالة الحرب أو خطر يهدّد سلامة البلاد
.
وفاته
:
توفّي - رحمه الله - في صنعاء يوم الإثنين 27 يناير 2014م، وذلك بعد حياة حافلة بالعلم والجهاد بالكلمة، نُقل جثمانه إلى بغداد، ودُفن في مقبرة الكرخ التي نشأ بجوارها صغيراً، فعاد إليها جسداً بعد عمر أمضاه في خدمة الأمّة
. |