المؤلفات --> مقالات
تقديم الدكتور عبدالكريم زيدان لكتاب ( القول الصحيح في تعيين الذبيح)
تقديم الدكتور عبدالكريم زيدان لكتاب " القول الصحيح في تعيين الذبيح "   كتاب (القول الصحيح في تعيين الذبيح) من تأليف الداعية العراقي الاستاذ محمد سعيد صالح محمد العاني رحمه الله , قدم له الدكتور عبدالكريم زيدان وبين في مقدمته لهذا الكتاب القول الفصل في الرجوع الى الاسرائيليات عند تفسير القرآن, وتعليقه على ما توصل اليه المؤلف من ان الذبيح هو سيدنا إسماعيل وليس سيدنا اسحق رضي الله عنهما كما يدعي البعض. الموقع تحقيقا للفائدة ينشر تقديم الشيخ عبدالكريم زيدان لهذا الكتاب والتي تضمن الكثير من التوضيحات والاستطرادات حول عنوان ومحتوى الكتاب. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين وبعد: 1) فأن الله تعالى انزل كتابه العظيم على نبينا محمد ﷺ لنستنير به في دروب الحياة ونقيم على معانيه شؤون حياتنا ورابطتنا بربنا ونعبده سبحانه وتعالى بالكيفيات التي شرعها لنا في القرآن العظيم, وهذا كله يستلزم بالضرورة ندبر آياته وتفهم معانيه ومعرفة احكامه, ولا يتأنى هذا كله الا بالتفسير الصحيح لآياته. 2) ومن احسن طُرق التفسير واصحها, كما يقول الامام ابن كثير, ان يفسر القرآن بالقرآن, فما اجمله القرآن الكريم في موضع قد يفسره موضع آخر. فان لم تجد مثل هذا التفسير تحولنا الى السنة النبوية المطهرة لأنها شارحة للقران وموضحة له ومبينة لمعانيه, قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) . وقال نبينا محمد ﷺ (الا اني اوتيت القرآن ومثله) يعني السنّة. 3) فاذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا الى اقوال الصحابة لانهم, رضب الله عنهم, ادرى من غيرهم بمعاني القرآن وتفسيره لما شاهدوه من الظروف والاحوال التي نزل القرآن بسببها او لمعالجتها, ولما اكتسبوه من صحبتهم للنبي ﷺ من معرفة بمرامي الشريعة ومراد الآيات القرآنية, ولما لهم من جودة الذهن وحسن الادراك وصفاء النقس وعمق الايمان وكل ذلك يساعدهم قطعا على معرفة الصواب من مدلول الآيات والمراد منها, ومن ثم كان لتفسير الصحابة المنقول عنهم قيمة عظيمة لاسيما المنقول عن الخلفاء الراشدين والمشهورين في الفقه والعلم مثل عبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس الذي دعا له رسول الله ﷺ حيث قال ( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل). 4) فاذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا في اقوال الصحابة فقد رجح كثير من الائمة الرجوع الى اقوال التابعين المشهود لهم بالعلم والدراية والفهم كالإمام مجاهد الذي تلقى تفسير القرآن من عبدالله بن عباس حتى صار اية في التفسير ومرجعاً فيه ولهذا قال الامام سفيان الثوري اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ومن التابعين المشهورين في التفسير سعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس, وعطاء ابن ابي رباح والحسن البصري وغيرهم كثيرون. 5) ومع وضوح وسلامة النهج الذي قدمناه في تفسير القرآن, الا اننا نشاهد في ثنايا تفاسير القرآن بعض الاحاديث والاقوال التي تعرف بالإسرائيليات وهي التي تلقاها بعض المفسرين عن اهل الكتاب لاسيما اليهود, حتى ليعجب البعض عجباً شديدا من هذا الصنيع, وربما ركب بعضهم الغضب الى درجة انهم اثاروا الشكوك حول نوايا اولئك المفسرين, الذين حشروا في تفسيرهم الكثير من الاسرائيليات. 6) والواقع ان بعض المفسرين اكثروا من ذكر الاسرائيليات وحكاية اقوال اهل الكتاب وهم يفسرون في كتاب الله, وما كانوا في حاجة الى ذلك, الا انه خطر في صنيعهم لان اهل العلم نبهوا على مواضع الخطأ فيما ذكره هؤلاء المفسرون من اقوال اهل الكتاب, كما ان غالب هذه الاسرائيليات التي اولع بعض المفسرين في الاكثار من ايرادها في تفاسيرهم كانت تتعلق  ببعض جوانب القصص القرآني الذي اجمله القرآن الكريم مثل اصحاب الكهف واحوالهم قبل لجوئهم الى الكهف, ومكان الكهف ولون كلبهم, ومثل عصا موسى من أي الشجر كانت, واسماء الطيور التي أحياها الله تعالى لإبراهيم عليه السلام, ومثل مقدار طول أو سعة سفينة نوح عليه السلام ونوع خشبها, واسم الغلام الذي قتله الخضر, و (البعض) الذي ضرب به موسى عليه السلام من البقرة الى غير ذلك مما أبهمه القرآن الكريم مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا في دينهم. 7) ولكن نسأل هنا عن مدى جواز او عدم جواز ذكر الاسرائيليات في تفسير القرن؟ ... والجواب يحتاج الى شيء من التفصيل, ذلك ان حكاية اقوال اهل الكتاب في بعض ما تناوله القرآن الكريم وتكلم عنه صار مباحا بشروط بعد ان كان ممنوعاً في اول الامر فقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ انه قال: ( بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج) ومعنى الحديث المتعلق بالتحديث عن بني اسرائيل, انه لا ضيق عليكم في الحديث عن بني اسرائيل لأنه كان قد تقدم عنه ﷺ الزجر عن الاخذ عنهم والنظر في كتبهم, وكان هذا النهي قبل استقرار الاحكام الاسلامية والقواعد الدينية ثم جاءت الرخصة والاباحة في الرواية عنهم وحكاية اقوالهم لما في سماع الاخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. اما نطاق هذه الرخصة في حكاية اقوال اهل الكتاب فقد قال الامام مالك يجوز التحديث عنهم بما كان من امر حسن, أما ما علم كذبه فلا يجوز نقله عنهم. وقال الامام الشافعي: ( من المعلوم ان النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب, فالمعنى, اذن, حدثوا عن بني اسرائيل بما لا تعلمون كذبه). وقال الامام ابن تيمية رحمه الله تعالى ان الاحاديث الاسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد وانها ثلاثة اقسام: (القسم الاول) ما علمنا صحته مما بأيدينا من الكتاب والسنة مما يشهد له بالصدق, فذلك صحيح. (القسم الثاني) ما علمنا كذبه بدلالة الكتاب والسنة, فذلك كذب غير صحيح. (القسم الثالث) ما هو مسكت عنه ليس هو من احد القسمين السابقين فهذا القسم لا نصدقه ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم من الحديث الشريف, ولقوله ﷺ (لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم, فأما ان يحدثوكم بحق فتكذبوه واما ان يحدثوكم بباطل فتصدقوه) أي اذا كان ما يحدثونكم به محتملاً للصدق والكذب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ولكن يجب ان يعلم بان النهي لم يرد عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ودلّ على كذب المنقول عنهم. 8) ويخلص لنا من كل ما تقدم ان النقل عن أهل الكتاب امر جائز ان علمنا صدقه بموجب شرعنا, او لم نعلم صدقه ولا كذبه على ان لا نصدقه ولا نكذبه. 9) ومن جملة ما ذكره بعض المفسرين من الاسرائيليات في قصة ذبح سيدنا ابراهيم عليه السلام لابنه, انهم قالوا ان الذبيح هو إسحاق لا إسماعيل , وهذه بعض الاخبار الواردة عنهم والتي ذكرها الكثير من المفسرين المسلمين وهم يتكلمون عن قصة ذبح ابراهيم لابنه, الا ان عناك ايضاً بعض الاخبار عن أهل الكتاب تصرح او نشير او تتضمن ان الذبيح هو إسماعيل, ومن اجل هذا الخلاق في الاخبار عن أهل الكتاب اختلف كثير من المفسرين. فمنهم من ذهب الى ات الذبيح هو اسحق ومنهم من ذهب الى ان الذبيح هو إسماعيل ومنهم من توقف, الا ان بعض المفسرين المحققين كالإمام ابن كثير وغيره جزموا على ان الصحيح في المسالة ان الذبيح هو إسماعيل عليه السلام وذكروا من الادلة والاحاديث النبوية الشريفة ما يظهر معه صحة ما ذهبوا اليه. وقد كان ينبغي ان بذهب الى هذا الراي او الى هذا القول جميع المفسرين لظهور الصواب في هذه المسالة. الا ان عذر من توقف عن ترجيح احد القولين في مسالة من هو الذبيح إسماعيل او اسحق, هو وجود احتمال لجانب كل قول من القولين ومع الاحتمال لا يكون الترجيح في نظرهم. اما عذر من رجح بان الذبيح هو اسحق فهو ان القرآن لم ينص صراحة وبوجه قاطع على ان الذبيح هو إسماعيل, وحيث ان اهل الكتاب يزعمون ان الذبيح هو إسحاق وزعمهم هذا يحتمل الصدق والكذب, فترجيح جانب صدقهم – حسب نظرهم – مع عدم صراحة القرآن القطعية بأن الذبيح هو إسماعيل, أقول فترجيح ما ذهب اليه أهل الكتاب - في نظر هذا البعض من المفسرين – هو الاولى. 10) ولكن في الواقع, ان ما اعتذرنا به للمتوقفين عن الترجيح وللمرجحين بان الذبيح هو إسحاق, اقول ما اعتذرنا به لهم لا يصلح حجة ولا عذرا كافيا لموقفهم, ذلك ان القرآن بمجموع آياته الواردة في هذه القصة وتسلسلها ودلالتها كل ذلك ينهض حجة كافية للقول بان الذبيح هو إسماعيل ويؤيد ذلك الاحاديث النبوية وبعض اخبار اهل الكتاب فهذا القدر من الادلة يكفي للقول بأن الذبيح هو إسماعيل, اما وجود احتمال ضعيف على خلاف هذا القول الظاهر الرجحان فينبغي الا يلتفت اليه لأنه بحكم المعدوم لضعفه الشديد. 11) وهذه الرسالة التي نقدم لها هذه المقدمة قد جمعت اقوال المفسرين في مسألة ذبح ابراهيم لابنه, وما قيل عن اسم الذبيح ومكان الذبح والحجة لكل قول, حتى يكاد المؤلف الاستاذ محمد سعيد العاني حفظه الله تعالى قد استوعب جميع اقوال المفسرين وما احتجوا به.  وقد ناقشهم المؤلف مناقشة علمية رصينة وان غلبت عليه في بعض المناقشات الحدة والقسوة في القول غيرة منه على معاني الدين, وان كانت هذه الغيرة لا تستلزم هذه الحدة والقسوة. وقد رجع المؤلف حفظه الله الى كتب اهل الكتاب وذكر ما فيها من نصوص تتعلق بالمسالة وناقشها وبين انها حجة للقائلين بان الذبيح هو إسماعيل وليست حجة للقائلين بان الذبيح هو إسحاق. ولا شك ان اخانا المؤلف قد بذل جهداً مشكوراً في تحرير هذه الرسالة برجوعه الى كتب المفسرين الكثيرة التي استطاع الوصول اليها كما رجع الى المراجع الاخرى وقد أظهر في نقوله ومناقشاته بان القول الصحيح في المسالة الذي لا ينبغي العدول عنه هو ان الذبيح إسماعيل وليس إسحاق. والخلاصة فان هذه الرسالة اللطيفة وهذا البحث الجيد الذي قام به الاستاذ محمد سعيد العاني يعتبر من النتاج الجيد النافع ان شاء الله تعالى. وقد اسهم في تجلية مسالة اضطربت فيها اقوال كثير من المفسرين. واظهر القول الصواب الذي ذهب اليه بعض المحققين من المفسرين... فنسأل الله تعالى ان يثيب المؤلف وينفع برسالته من يقف عليها. والحمد لله رب العالمين. الدكتور عبدالكريم زيدان 29 ربيع الاول 1402 هـ 24 كانون ثان 1982م
تجد هذه الصفحة في موقع الموقع الرسمي للشيخ عبدالكريم زيدان (الموقع الرسمي للشيخ عبدالكريم زيدان)
https://drzedan.com
الارتباط إلى هذه الصفحة
https://drzedan.com/content.php?lng=arabic&id=195