فيديو
الايمان بالقضاء والقدر واثره في سلوك الفرد للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان
.. المزيد
عن الشيخ
لم  يكتِّب  الشيخ عبدالكريم زيدان رحمه الله سيرته الذاتية بكتاب جامع لها, ولم يكن يكترث كثيرا لهذا (رحمه الله), ولكن شاء الله ان يقوم باحث في جامعة الازهر الشريف بتسجيل رسالة دكتوراه بعنوان (جهود د. عبدالكريم زيدان في خدمة الدعوة الاسلامية), وكان من متطلبات رسالته هذه ان يخصص فصل كامل فيها عن حياة الشيخ, فوجه هذا الباحث اسئلة كثيرة للشيخ أرسلها له الى صنعاء - حيث كان يقيم آنذاك – واجاب الشيخ عنها في حينها .. المزيد
حكم محاكاة القران
حكم محاكاة القرآن في غير ما نزل فيه  (استخدام الآيات القرآنية بصورة غير مناسبة في المقالات الصحفية) سؤال: إحدى الصحف نشرت في مقال لها ما نصه: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب البيض... ألم يجعل كيدهم في تقويض، وأرسل عليهم صقور التوحيد، وفهودا سمراً صناديد، فجعلهم في منفى أشتاتا رعاديد )، فما قولكم في مثل هذا الكلام ؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، أما .. المزيد

عن الشيخ --> مؤلفات وأطاريح عن الشيخ عبدالكريم زيدان

الجهود الفقهية والأصولية للعلامة الدكتور عبد الكريم زيدان

بحث اشترك بكتابته كل من الدكتور "عيسى أحمد محل الفلاحي" و الدكتور "أحمد محي الدين الراوي" وقُدم في المؤتمر الدولي لأعلام العراق الموسوم (الإسهام الحضاري لأعلام العراق في القرن العشرين) والذي أقامته الجامعة العراقية في الفترة من7 الى9 كانون ثاني 2014م. البحث نُشر في مجلة (كلية التربية للبنات) وهي مجلة علمية مُحكمَة تصدر عن الجامعة العراقية وذلك بعددها الثالث من السنة الثانية/ 2016م.

المقدمة

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

أما بعد:

فلا يخلو تاريخ أمة من بزوغ أنوار علماء أعلام أجلاء في سمائها يُعلون شأنها، ويجددون عزها، ويفتحون أبواب التغيير في العلم والفكر والأخلاق، فينيرون القلوب، ويزيلون ما ران على الأنفس والأرواح والعقول من أدران التخلف والجهل والظلام.

والعراق مهد الحضارة ومهبط الرسالات، وبلد الاولياء والاصفياء والاتقياء وآل بيت النبوة الاطهار، وهو اول بلد سن القانون في الارض ودونه في مسلة، واول من تعلم الكتابة وعلمها للبشرية، وأعلامه منارات شامخة يؤكدون في كل عصر تفوقهم وعطائهم المتجدد وانتمائهم لهذا الصرح الحضاري العظيم بإسهاماتهم المتميزة في كل المجالات ولاسيما العلمية منها.

ومن حق هؤلاء الأعلام أن نعرّف الأجيال بهم، وبجهودهم الطيبة، ليظهر علمهم المكنون الذي دفنته سنين الإهمال على الملأ، وحق لأجيالنا أن يفخروا بما أنجزوه من عطاء .. لذا أحببنا أن نفتح نافذة بسيطة لنطل منها على عالم جليل من أعلام العراق هو العلامة الأصولي الفقيه «الدكتور عبد الكريم زيدان» حفظه الله. احد رواد الدعوة الإسلامية في العراق، وأحد أعمدة العلوم الشرعية في أرجاء العالم الإسلامي.

هذا الرجل الذي نذر نفسه للعلم وطلبته. «فأخرج الكثير من مواضيع الفقه من نطاق التجميع إلى ساحة الإبداع وفضائه الرحب مستلهماً روح المعاصرة ومستفيداً من سعة اطلاعه على الأحكام الوضعية ساعده على فضح عوارها وعجزها عن الإحاطة بالقضايا البشرية المعقدة المتغيرة وأظهر من خلال ذلك بالحجة والبرهان عظمة التشريع الإسلامي في كل المجالات متخذاً لنفسه دوراً يهدي به الأجيال إلى طريق الحق والعزة والانعتاق مستلهما رسالة الأنبياء في التبليغ، وإجلاء الحقائق وخدمتها، مؤدياً بذلك الأمانة الملقاة على عاتقه بكل صدق وصبر.

والمتتبع لإنتاجه العلمي وأبداعه الفكري، وعلو شأنه في المقارنة بين الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية في كتبه، وأدائه لدوره في تنبيه الأمة من عواقب البطر والكفر بنعم الله والظلم والفسق، وتحذيره من الوقوع بما وقعت فيه الأمم الغابرة التي استحقت غضب الله. يدرك قدر هذا الرجل وعظيم استشعاره لمسؤولية العالم.

وإسهاما منا في المؤتمر الدولي لأعلام العراق الموسوم «الإسهام الحضاري لأعلام العراق في القرن العشرين » الذي تقيمه الجامعة العراقية الموقرة آثرنا تسليط الضوء على شيء من جهود هذا العالم من أعلام العراق فكان بحثنا المتواضع هذا الموسوم:  (الجهود الفقهية والأصولية للعلامة الدكتور عبد الكريم زيدان).

   خطة البحث

تضمن بحثنا مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة:

المقدمة: تضمنت خطبة البحث، ومقدمة تمهيدية، وعنوان البحث.

المبحث الأول: العلامة عبد الكريم زيدان ومكانته العلمية واشتمل على ثلاثة مطالب:

   المطلب الأول: نبذة عن حياته.

   المطلب الثاني: ملامح شخصيته ومكانته العلمية.

   المطلب الثالث: منهجيته في التأليف، ونتاجه العلمي.

المبحث الثاني: جهوده في عيون مسائل الفقه وأصوله

واشتمل على مطالبين:

   المطلب الأول: جهوده في علم أصول الفقه.

   المطلب الثاني: جهوده في علم الفقه.

المبحث الثالث: جهوده في النوازل الفقهية، والسياسة الشرعية

واشتمل على مطالبين:

   المطلب الأول: جهوده في فقه النوازل.

   المطلب الثاني: جهوده في السياسة الشرعية.

الخاتمة: تضمنت أهم النتائج والتوصيات.

ثبت المصادر والمراجع

وأخيرا .. فهذا جهد المقل أردنا به وجه الله بالإسهام في نشر العلم الشرعي، والتعريف بعلم من أعلام العراق، فإن أصبنا فمن الله وحده، وبفضله وفق ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾

نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه,  والحمد لله رب العالمين.

كتب في بغداد 1/ 10/ 2013م


  المبحث الأول

العلامة عبد الكريم زيدان ومكانته العلمية

وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول

نبذة عن حياته

أولا: اسمه وكنيته ونسبه

هو عبد الكريم زيدان بيج. كنيته: أبو محمد، ولقبه (العاني) نسبة إلى بلدة عانه العراقية، و (المحمدي) نسبة إلى عشيرة المحامدة، و (الدليمي) نسبة إلى أكبر العشائر العراقية.

ثانيا: ولادته ومراحل نشأته

ولد في العاصمة بغداد، والصحيح في ولادته أنها في عام (1921م) وقد نشأ في كنف عائلته المتدينة ببغداد، بين إخوته الذين كان هو أصغرهم. وقد توفي والده ولا يزال عمره ثلاث سنوات.

أكمل دراسة الأولية في بغداد. دخل دار المعلمين الابتدائية وبعد تخرجه منها أصبح معلما في المدارس الابتدائية، ثم دخل كلية الحقوق ببغداد وتخرج منها. عين بعدها مديرا لثانوية النجيبية الدينية.

التحق بمعهد الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة ونال الماجستير بتقدير ممتاز، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة سنة 1962م بمرتبة الشرف الأولى.

ثالثا: طلبه للعلم ونشره

قضى استاذنا جل عمره محبا للعلم وباذلا في سبيله فخدمه طلبا وتحصيلا، ثم تعليما وتدريسا ثم تصنيفا وتأليفا ونشرا ... وكان يضرب به المثل في الحفظ للنصوص واستحضارها والمذاكرة بها، ويسر عودته إليها، ودقة الفتوى الصادرة عنه ؛ لذلك كان أقرانه يغبطونه لذاكرته العجيبة، واستحضاره للنقول التي يأتي بها، ودقة استنباطاته.

تولى أستاذية الشريعة الإسلامية وأصبح رئيس قسمها بكلية الحقوق، ثم أستاذ الشريعة الإسلامية ورئيس قسم الدين بكلية الآداب جامعة بغداد سابقاً.

أسهم في تأسيس كلية الدراسات الاسلامية نهاية الستينيات ليتيح العلم الشرعي للكثير من طلابه في العراق وخارجه، وتولى استاذية الشريعة الإسلامية فيها .. ولكنها لم تستمر طويلا حتى أغلقت من قبل النظام الحاكم آنذاك وضيق على الدكتور مما اضطره للسفر خارج القطر بداية التسعينات حتى استقر به المقام في اليمن استاذا في جامعاتها.

رابعا: شيوخه

درس واستفاد من بعض المشايخ والأساتذة العراقيين والمصريين، من أمثال الشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ نجم الدين الواعظ، والشيخ محمد محمود الصواف، وعبد الكريم الصاعقة، ومن المصريين: الشيخ علي الخفيف، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ حسن مأمون. ولن يتسع المقام لترجمة كل شيوخه لذا سنقتصر على ترجمة أكثر من تأثر بهم الشيخ وأخذ عنهم من العلماء العراقيين.

1. الشيخ امجد الزهاوي

هو علامة العراق وفقيه الحنفية في عصره: أبو سعيد أمجد بن الإمام محمد سعيد مفتي بغداد بن الإمام محمد فيضي الزهاوي بن الملا أحمد بن حسن بك بن رستم بن خسرو بن الأمير سليمان باشا رئيس سلالة بابان الأسرة البابانية الذي أنشأ مدينة السليمانية والتي سميت باسمه.

وُلد الشيخ أمجد الزهاوي عام 1300هـ - 1883م بمدينة بغداد، ونشأ في أُسرة علمية ثرية، ذات مكانة اجتماعية مرموقة، درس على والده وبعض المشايخ، والتحق بالمدارس الرشدية والابتدائية والإعدادية في بغداد؛ ثم سافر إلى استانبول حيث درس ست سنوات في «كلية القضاء »، فكان ترتيبه الأول على الطلاب، وقد منحه السلطان عبد الحميد الثاني وسام الشرف تقديرًا لنبوغه وتفوقه.

تقلد مناصب القضاء في بغداد إلى أن انتهى إلى رئاسة مجلس التمييز الشرعي؛ وبعدها تقاعد عن العمل واشتغل في المحاماة فترة من الزمن، ثم تفرغ للعمل الدعوي عام 1946 م، وكان من مؤسسي أهم الجمعيات الإسلامية في العراق، وهي جمعية «الآداب الإسلامية » و «إنقاذ فلسطين » و «التربية الإسلامية » و «الأخوة الإسلامية » و «رابطة علماء العراق » و «اللجنة العليا لنصرة الجزائر» وكان رئيسًا لهذه الجمعيات جميعها في آن واحد. توفي في بغداد 17/ نوفمبر/ 1967م.

والشيخ أمجد الزهاوي أكثر من تأثر بهم علامتنا د. عبد الكريم زيدان ولازمه لفترة طويلة حيث يقول عنه: «فإن شأني مع شيخ الاسلام الزهاوي رحمه الله شيء آخر لا يخضع لما تعودت عليه في حياتي من زهد في الرثاء واكتفاء بالعبرة والدعاء؛ لأني ما تأثرت بشخص رأيته بعيني بمثل ما تأثرت بأستاذي الزهاوي رحمه الله تعالى، وما رأت عيني مثله على كثرة من رأيت وعرفت وخالطت.. لقد رأيت فيه ما كنت أفتش عنه من زمن بعيد وأريد الوصول إليه لمسًا باليد ورؤية بالعين وسلوكًا في الخارج.. حتى عرفت الشيخ فرأيت فيه ما أريد: إخلاصًا نقيًا ومخافة من الله واهتمامًا بأمر المسلمين »

ثم تكلم عن اخلاصه ومخافته من الله واهتمامه بأمر المسلمين فقال: «لقد كان رحمه الله أمة في الإخلاص لا يعرف بسببه تكلفًا ولا تصنعًا ولا رياءً حتى ظهر الإخلاص في كلامه وحركاته وسكناته، وطفح على قسمات وجهه المشرق النّير المهيب الذي يبعث في الناظر إليه انشراحًا واطمئنانًا وهدوءً.. ولا أكتم القارئ الكريم أني كنت إذا ما ألم بي ضيق في الصدر وانقباض في النفس؛ أسرعت إليه رحمه الله لأجلس بجانبه وأنظر إليه وأستمع منه فتهدأ نفسي ويزول عني الضيق والانقباض، وهكذا تفعل مجالسة الصالحين المخلصين.

أما مخافته لله فأمر محسوس ظهر في وقوفه عند حدود الله، وهو الفقيه بهذه الحدود وفي تعظيمه شعائر الله، وفي مبادرته إلى أداء حقوق الله وفي جهره بالحق عند السؤال والاستفتاء، وهكذا يكون شأن الخائف من الله، فمن خاف هرب، ولكن هرب الخائفين من الله يكون إلى الله... وأما اهتمامه بأمور المسلمين، فقد كان منطلقه فيه الحديث الشريف: (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم)، وقد كان رحمه الله يريد أن يكون من المسلمين لا من غيرهم ولهذا فقد أهمه أمر المسلمين وأرّق جفنه فما كان يسمع باجتماع إسلامي إلاّ وسارع إليه معللاً نفسه بحصول شيء يخدم الإسلام وينفع المسلمين؛ لقد كان من فرط اهتمامه بأمور المسلمين وحزنه على ما آل إليه أمرهم يبكي إذا ما تحدث عن عزهم السابق وقرنه بهوانهم الحاضر، نعم يبكي وتسيل دموعه على وجهه المشرق المنير حتى تبل لحيته الكريمة البيضاء.

لقد صحبتُ الشيخ رحمه الله في إقامته وفي سفره وفي صحته وفي سقمه وحضرت مجلسه العام والخاص فما رأيت منه ضعفًا أو فتورًا فيما تحدثت عنه من إخلاص وخوف من الله واهتمام بأمر المسلمين، رحم الله أستاذي الكريم الذي قلّ نظيره وعزّ مثيله، لقد أحببته حب التلميذ لأستاذه وحب الابن لأبيه وحب الأخ لأخيه في الله ..” ).

2. الشيخ عبد الكريم الصاعقة

هو محدث العراق الشيخ عبد الكريم بن السيد عباس الأزجي الشيخلي الحسني. ولد في بغداد في منطقة باب الشيخ )محلة الأزج عام 1285 هـ - 1867م لقب بـ (الصاعقة) لإصداره جريدة سياسية أسبوعية أسماها (الصاعقة) وقد صدر العدد الأول منها في 8/حزيران/1911م (وهي جريدة تشن الغارات النقدية اللاذعة للأتراك ونقد تدينهم).

نشأ رحمه الله في عائلة ميسورة حيث أن والده رحمه الله كان تاجراً معروفاً بـ (تجارة الزوالي) وينحدر شيخنا رحمه الله من عائلة (بيت الوزير) اليمانية الأصل التي نزحت إلى حماة في سورية ثم إلى بغداد قبل ما يقارب القرنين. وبعد مراحل نشأته وترعرع بين كتاتيب بغداد وحبه للعلم والحديث النبوي خصوصاً.

التزم بداية حياته العلمية حلقة ومجلس علامة بغداد حينها (نعمان خير الدين الآلوسي) ابن المفسر أبي الثناء الآلوسي، وهو شيخه الذي تعلم على يديه أغلب العلوم الشرعية وهو الذي أجازه بعلوم الحديث، وله اجازات علمية كثيرة منها إجازة في الحديث في الكتب التسعة وعلم المصطلح من محدث الهند (يوسف بن اسماعيل الخانفوري) حين جاء للتدريس في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله.

تتلمذ على يديه الكثير من علماء العراق والعالم الإسلامي، منهم: الشيخ نوري أحمد القاسم التميمي الشهرباني، والشيخ عبد الرزاق عبد الجبار البياتي، والحاج أحمد حمدي عبد الجليل، الشيخ قاسم القيسي مفتي العراق، والشيخ عدنان عبد المجيد أمين، والشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي المغربي الذي أصبح في الثمانينات معاون عميد كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وعلامتنا الدكتور عبد الكريم زيدان، والأستاذ عبد المنعم صالح العلي (محمد أحمد الراشد) وغيرهم.

توفي في بغداد متأثراً بمرض عضال لازمه سنتين عام 1379هـ الموافق7/2/ 1959م عن عمر ناهز (92) عاما قضاها بالعلم والجهاد بالكلمة والقلم المؤمن الشريف والسيف القاطع بكل كلمة كتبها، ودفن في مقبرة الغزالي.

3. الشيخ نجم الدين الواعظ

وهو نجم الدين بن ملا عبد الله الدسوقي (الشهير بالواعظ) من عشيرة المعاضيد التي تسكن أغلبها في قضاء عنه في محافظة الأنبار غرب العراق وهو مفتي، وفقيه، وعالم موسوعي، من أهل بغداد، ولد في منطقة الكرخ بمحلة سوق حمادة عام 1298 هـ - 1880م.

درس الشيخ نجم الدين أوليات العلوم على مشاهير علماء بغداد، منهم الشيخ عباس القصاب، ثم أنتقل للدراسة عند الشيخ غلام رسول الهندي وهو الذي لقبه بالواعظ، قبل أن تبرز فيه موهبة الوعظ. وأكمل دراسته العلمية عند الشيخ عبد الوهاب النائب وحصل منه على الإجازة العلمية في علوم المنقول والمعقول، كما حصل على إجازة الحديث الشريف دراية ورواية من شيخ الحديث في الشام الإمام المحدث بدر الدين المغربي.

بعد فراغه من حياة التلمذة تصدر للتدريس المؤهل له في جامع عادلة خاتون في باب المعظم، ثم مدرسة نائلة خاتون الشرعية الكائنة مقابل جامع الحيدر خانة والتي أندرس أثرها، ثم عين إماماً وخطيباً وواعظاً في جامع حنان بجانب الكرخ عام 1922م، ثم تصدر للتدريس في عدة مدارس منها: «الرواس » ثم المدرسة «الوفائية » في عام 1946م، ثم مدرساً في جامع العدلية الكبير، ثم مدرسة جامع القبلانية الشهير قبالة المدرسة المستنصرية، ثم تصدر للتدريس بعد ذلك بجامع الإمام الأعظم في الأعظمية، ثم مدرساً في كلية الشريعة، وظل يزاول عمله فيه حتى أحيل على التقاعد عام 1965م، وكان له مجلسا للوعظ في جامع العسافي يختلف إليه الكثير من العلماء والأدباء وطلبة العلم، وكان عضوا في ادارة عدد من الجمعيات منها: «جمعية الهداية الإسلامية»,  « رئيس جمعية الآداب الإسلامية».

أنتخب عضواً في المجلس العلمي، ثم عضواً في المجلس الأعلى ثم أستقال منه. وتفرغ للدراسة والتأليف والدعوة والوعظ. ومن العلماء الذين تتلمذوا عنده وأخذوا دروس العلم والوعظ عليه الشيخ الدكتور أحمد حسن الطه.

توفي ليلة السادس من شهر صفر 1396هـ - الموافق 7 شباط 1976م وشيع بموكب مهيب إلى مثواه الأخير ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي.

4. الشيخ محمد محمود الصواف

الشيخ الصواف وإن كان يعد من أقران الدكتور عبد الكريم إلا إنه أسن منه وسبقه زمنيا في طلب العلم، ويعترف له علامتنا عبد الكريم بالفضل في ترشيد مسيرته العلمية والدعوية ويعده من شيوخه الذين تأثر بهم.

وُلد الشيخ الصوّاف في مدينة الموصل في الأول من شوال عام 1333هـ الموافق 1914/8/12م، وينتسب إلى طيئ من قبيلة شمر المعروفة. نشأ على حب العلم والجهاد، واعتنى به والده منذ الصغر، فعلَّمه القرآن حتى حفظه وهو صغير، ثم أدخله المدرسة الابتدائية الأهلية بالجامع الكبير بالموصل، وبرز فيها ثم انتقل إلى مدارس المساجد التي يشرف عليها العلماء، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ودرس النحو والسيرة النبوية ويتحدث عن نفسه فيقول: «العراق وطني الأول الذي ولدت فوق أرضه وتحت سمائه وترعرعت في ربوعه، لقد عشت في بلد الموصل الذي عرف بتمسكه بدينه وحرصه على مثله، هذا البلد الذي أنجب عماد الدين زنكي ونور الدين محمود.. لقد كنا نتسابق لحضور صلاة الفجر صغارًا وكبارًا وبعد الصلاة ننشغل بذكر الله وتلاوة القرآن،

وكان يسكن بجواري الشيخ محمد الرضواني رحمه الله، الذي علمني حب الله منذ نعومة أظفاري، وعملت للدعوة مبكرًا والتحقت بجمعية الشبان المسلمين في الثلاثينيات والتي كان يرأسها الشيخ عبد الله النعمة، فكنت أصغر من انتسبت إليها .»

درس بالمدرسة الفيصلية ونال شهادتها، وعين معلّما غير أنه استقال من الوظيفة، وشدّ الرحال بعد ذلك إلى الأزهر الشريف عام 1358هـ، وقد عُرف بذكائه العجيب وتفوُّقه في مراحل دراسته، ثم عاد إلى العراق وعمل في كلية الشريعة بالأعظمية ببغداد. كان رجلاً مجاهدًا مصلحًا ومربيًا معل ،ًام يلقي دروسه بين طلابه، وفي الوقت نفسه يقود المقاومة الشعبية ضد الإنكليز المحتلين، ويحرك المظاهرات الصاخبة ضدهم، ويلقي بخطبه النارية التي تلهب المشاعر وتأجج العواطف، فحرك المظاهرات ضد المعاهدات التي تقيد العراق كمعاهدة (بورتسموت) حتى استطاع أن يفشل مباحثاتها، كما أسهم وتلامذته بإسقاط معاهدة «جبر – بيفن » الاستعمارية.

اشتغل بالعمل الشعبي والتوجيه الإسلامي في المساجد والجمعيات، فانتسب إلى جمعية الشبان المسلمين، وأنشأ جمعية الأمر بالمعروف، كما أسس مع الشيخ أمجد الزهاوي جمعية الأخوة الإسلامية التي قامت بدور رئيس في الدعوة إلى الله في أنحاء العراق.

وكان لجولاته الدعوية في أفريقيا وجنوب شرق آسيا أكبر الأثر؛ فقد أحيت روح التضامن الإسلامي، ووطدت العلاقات بين المسلمين قادة وشعوبًا. ولقد كانت له مواقف بطولية أمام تجبر الطغاة والمستعمرين تمثّلت فيها العزّة والإباء والصلابة والرجولة والجرأة والصراحة، تلمس هذا في خطبه ومحاضراته وأحاديثه وكلماته وتآليفه ومصنفاته التي تلهب الحماس، وأول كتاب صدر له أوائل الأربعينيات هو كتاب «صرخة مؤمنة إلى الشباب والشابات». ثم تتابعت مؤلفاته الكثيرة الدعوية والفقهية والسياسة الشرعية وغيرها حتى بلغت 25 مؤلفا.  تُوفي الشيخ يوم الجمعة الموافق13/ربيع الآخر/1413هـ الموافق 11/10/1992م في مطار استانبول؛ ونُقِلَ جثمانه ودفن في مقابر المعلاة بمكة، بجوار قبر الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.

خامسا: تلاميذه

تتلمذ علي يد علامتنا عبد الكريم زيدان عدد كبير من الطلبة من مختلف الجنسيات العربية والإسلامية ممن درسوا على يديه أكاديميا أو أشرف على رسائلهم وأطاريحهم في الدكتوراه والماجستير، أو من التقى بهم خارج الإطار الأكاديمي وبعضهم ممن تولوا حمل راية العلم في البلد من بعده ممن يشار لهم بالبنان منهم الدكتور العلامة عبد الملك السعدي، والدكتور أحمد حسن الطه، والدكتور محمد رضا العاني، والدكتور سامي الجنابي، والشيخ محمود الجبوري أبو حامد، والدكتور كاظم الزوبعي، والأستاذ عبد المنعم صالح العلي الراشد وغيرهم ممن لا يتسع المجال في هذه الوريقات لحصرهم.

  المطلب الثاني

ملامح شخصيته ومكانته العلمية

أولا: ملامح شخصيته وصفاته

تميزت شخصيته بخصائص علمية من حيث الدقة والتحري في النقل والحيادية والصدق، والأمانة في النقل واحترام العلماء والثناء عليهم وسعة الاطلاع والمعرفة والذكاء والإبداع في إيصال الفكرة. وصفات نفسية واخلاقية كـ الصلة بالله، والتوكل عليه، والرفق واللين، والإخلاص والتواضع، والصراحة والشجاعة. ويكاد يجمع أكثر من صاحب استاذنا أن أبرز صفة من صفات شخصيته هي التواضع، والجرأة في قول الحق فلا يخشى في قول كلمة الحق لومة لائم، ودقة حفظه للنصوص وذاكرته العجيبة.

ومن صفاته الأخرى المتميزة دأبه واجتهاده في العلم طلبا وتعلما وتعليما وتصنيفا، ووقته مقسم بين تلاوة القران او مطالعة ما يكتبه تلاميذه من الرسائل ومناقشتهم في منزله، او التأليف، أو استقبال العلماء والتلاميذ او التدريس، ولا تمر عليه لحظة بفضل الله من دون عمل صالح. وقد حباه الله عز وجل ذاكرة حديدية عجيبة يستحضر بها المعاني والاقوال الفقهية مهما بعد زمانها، فكان من عاشره يعجب لنقولاته التي يأتي بها ودقة استخدامه الادلة.

ورغم تمكنه من العلم ما كان يأنف أن يستمع من غيره ويحاوره. وكان يحرص على اعادة الدرس مرات عديدة لزيادة الفهم أو لدقة العبارة ... فكان يكتب المسألة ثم يطلب ممن كان معه أن يعيد عليه قراءة ما كتبه فيعدل عليه أو يضيف له بعد كل مرة.

ومن الملامح البارزة في شخصيته أنه مع علو شأنه ومنزلته لم يعهد عنه عيشة الترف والغنى والشهرة .. بل إنه لا يكاد يعرف عند عموم الناس ومرجع ذلك الذي لا يحتاج إلى دليل زهده بالدنيا وإعراضه عن زخارفها، ولا أدل على ذلك من عزوفه عن الإعلام وترك التصدر في منصاته رغم أن جهوده العلمية الرصينة ومكانته بين العلماء تؤهله بامتياز أن يتبوأ المكانة المرموقة بين المشاهير التي من الممكن أن تفتح له آفاق الدنيا والعالم المترف.

وقد عرضت عليه بالفعل عروض كثيرة ومنها ما عرض عليه من الإقامة بجوار المسجد الحرام أو المسجد النبوي مع ضمانات بدخل مادي كبير وتوفير لكل وسائل العيش الرغيد له ولأهله جميعا في هذه البقاع المباركة ؛ ولكنه آثر البقاء بعيدا عن الأضواء مع تلاميذه من طلبة الدراسات العليا في جامعة صنعاء وجامعة الإيمان في اليمن ... وحين عوتب من قبل محبيه لرفض هذا العرض أجاب فيما معناه: أن هذا الأمر يفتح علي باب الشهرة والابتلاء .. ادعو لي بحسن الختام.

ومن صفاته الواضحة ورعه العالي في تحري الدقة العلمية في الفتوى، وأمانته في اختيار الأرجح في المسائل الخلافية ... فيأتيه السائل أحيانا فيفتيه ورغم تمكنه من فتواه إلا أنه لا يسمح له بالمغادرة حتى يتأكد من صحة الفتوى من مراجعه التي بين يديه ليبعث الطمأنينة والثقة في قلب سائله .. فيجيب أحيانا ثم ما يلبث أن يقول قم يا فلان اجلب لي الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني فيذهب إلى الموضع من الكتاب بالضبط ويبدأ يقرأ فحوى ما أفتى به وفق ذاكرته فيأتي الأمر في الأغلب متطابقا أو تكون فتواه أكثر تفصيلا وتبيانا.

يروي لي أحد من صاحبه لسنين طويلة فقال: «جاءه سائل غريب يستفتيه في مسألة تتعلق بالبيوع فأفتاه بالحكم وغادر، وبعد هنيئة قال: ارسلوا اليه وكان قد غادر فذهبنا نبحث عنه في الشوارع القريبة ... فلما جاء أخبره أن هناك راي فقهي اخر في المسألة والأمانة العلمية تقتضي أن أوضحه لك وأبين مرجوحيته».

ويُعهد عن الشيخ العلامة حدة في الطبع ممزوجة بطيبة متناهية في القلب، وشدة وحزم في اتخاذ القرار بلا تردد، ممزوجة بشجاعة في الرجوع إلى الحق إذا تبين له؛ فربما يتخذ القرار ثم بسهولة يرجع الى غيره اذا اعتقد صوابية المقابل، وحين يذكر ويخوف بالله فانه يميل للتنازل عن حقه. أما في الحوار فيتصف بالتواضع ولين الطبع في المناقشة، فيستمع لمحاوره ويناقشه بكل أريحية.

وله همة عالية في متابعة شؤون الدعوة الاسلامية في العراق وخارجه، فلا يكاد يمر عليه يوم الا ويسال عن البلد الذي فارقه مرغما واخباره، والدعاة واحوالهم ويتفقدهم ويوجه وينصح حتى بعد أن تجاوز التسعين من عمره المبارك.

ثانيا: مكانته العلمية

برع استاذنا الفاضل في علوم كثيرة .. وإن أهم ما يبرز مكانته العلمية تمكنه من اختصاصين علميين مهمين هما «الحقوق» و «علوم الشريعة الإسلامية».

وإن جهوده الفقهية ونتاجه في هذا المجال أهله لنيل جائزة عالمية بجدارة في خدمة الإسلام والدراسات الإسلامية سنة 1417هـ/1997م، هي جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام أثر ظهور موسوعته في الفقه المقارن «المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم » تناول فيها جل أبواب الفقه بشكل مقارن على وفق المذاهب الإسلامية المتعددة في أحد عشر مجلداً. وله مساهمات في المجال الحقوقي منها: «نظام القضاء في الشريعة الإسلامية» وإن مكانته العلمية المرموقة في التخصصين السابقين جعلته يبرع بشكل مميز تبعا لذلك في تخصصين مهمين آخرين هما «أصول الفقه » و «القواعد الفقهية » وله مؤلفات معتمدة فيهما منها «الوجيز في أصول الفقه» و «الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية» تلقفها طلبة العلم والعلماء بالقبول ولها شروحات عدة.

كما برع استاذنا في فقه الدعوة واصولها وقواعدها وآدابها .. وله مؤلفات رصينة في هذا المجال تدرس في عدد من الجامعات العراقية والعربية منها: «أصول الدعوة » و «المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة » و «السنن الإلهية في الأمم والأفراد والجماعات» .. وتمكنه في هذا المجال كان سببا في أن تخصص أطروحة دكتوراه لدراسة جهوده الدعوية.

وللدكتور عبد الكريم زيدان قدح معلى في فقه السياسة الشرعية وفي القضاء وله مؤلفات وبحوث معتمدة في هذا العلم. منها: «أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام» و «الفرد والدولة في الشريعة» و «الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام » و «حقوق الأفراد في دار الإسلام» ولمكانته العلمية كانت المحافل الثقافية والعلمية العربية والعالمية تحرص على استضافته في مؤتمراتها وأنشطتها .. لذا تنقل بين البلدان للقاء العلماء وحضور منتديات العلم ومجالسه من مؤتمرات وندوات ودورات وبرامج وغيرها. فالتقى مئات من العلماء أفاد منهم واستفادوا منه، والتف حوله المئات من طلبة العلم الذين نهلوا من معارفه، وتتلمذوا على يديه الكثير. وقد برز نشاطه في مشاركته في العديد من المؤتمرات والندوات الفقهية ولا يزال.

* فقد قام بإلقاء محاضرات في أسبوع الفقه الإسلامي في دولة الكويت في الستينات.

* استكتب في بعض مواضيع الموسوعة الفقهية الكويتية في الستينات.

* شارك في الحلقة الثالثة للقانون والعلوم السياسية المنعقدة سنة 1969 م ببغداد برعاية جامعة الدول العربية حيث ألقى بحثاً في القانون الدولي العام في الشريعة الإسلامية.

* اختير عضواً في مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في السبعينات.

* شارك في أسبوع الفقه الإسلامي في الرياض أوائل السبعينات وألقى محاضرة فيه.

* شارك في أسبوع الفقه الإسلامي بدولة قطر سنة (1995- 1996)م

* إضافة إلى إشرافه على رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعتي بغداد وصنعاء فإنه عضو في مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع إلى رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، مما يظهر طول باعه في هذا المجال وأهمية حضوره.

وهو عضو في لجنة التحكيم لنيل جائزة المرحوم هائل سعيد للعلوم والآداب.

قالوا عنه:

أقوال العلماء في حقه كثيرة لضيق المقام اذكر قولا واحدا كما يأتي:

قال عنه الدكتور صالح النعيمي: «هذا الرجل الذي نذر نفسه للعلم يعيش به ويعيش له متخذاً إياه دوراً يهدي به الأجيال إلى طريق الحق والعزة والانعتاق متمما رسالة الأنبياء في التبليغ، وإجلاء الحقائق وخدمتها، مؤدياً بذلك الأمانة الملقاة على عاتقه بكل صدق وصبر، لم يثره قول حاسد ولا افتراء مفتر، وها هو ينتقل باحثاً عن مواطن الرباط ليشد إليها رحاله مترفعاً عن مكاسب الدنيا الفانية ومتاعها الزائل.. هذا العالم المجاهد الذي أبى عليه تواضعه حب الظهور، وشرفه شراء المناصب، وكرامته التمسح بأصحاب الجاه والسلطان، كان علينا أن نعترف بفضل هذه الشخصية التي انطلقت من ربوع العراق في ربيع عمرها لتحط رحالها في خريفه في اليمن السعيد، بين هاتين المرحلتين وعلى امتداد أربعة وثمانين سنة بجميع تقلباتها في الدراسة والمناصب، تطلع على حياته وأعماله ومؤلفاته، لتلفت انتباه أجيال الأمة كي تنهل من علمه وتتشرب من أخلاقه وإخلاصه”.

المطلب الثالث

منهجيته في التأليف، ونتاجه العلمي.

أولا: منهجيته في التأليف

تتسم منهجيته في التأليف بعنايته الفائقة بالتبويب والتقسيم، وحسن ترتيب المباحث)، والانتقال من الإجمال إلى التفصيل .. ويمكن تلخيص ملامح منهجيته في عموم مؤلفاته بالنقاط الآتية:

1. يبدأ كل موضوعاته بتشجير مجمل للخطوط العريضة للموضوع المدروس، وبيان منهج بحثه، ثم ينتقل إلى التفصيل.

2. يغلب على كل مؤلفاته استخدام الأسلوب الأكاديمي العلمي في التبويب الأبواب أو الأقسام، ثم الفصول، ثم المطالب، ثم الفروع، ثم التنقيط.

3. يميل إلى الفهرسة التفصيلية ووضع عنوان لكل فقرة، مع ترقيم الفقرات.

4. نزوعه إلى تجنب التكلف في العبارة، وتجنب استخدام المصطلحات المعقدة، مع الدقة العلمية وسهولة العرض، ويقترب اسلوبه مع ما يطلق عليه «السهل الممتنع».

5. يتميز بحسن التحرير للمسائل، وضبط مفرداتها، وبيان صورتها، والقيود التي ترد عليها، وتفكيك المسائل المركبة إلى جزئياتها، وبيان حكم كل جزء على حدة بحسب الأدلة دون حصر الجميع تحت حكم واحد.

6. رغم أنه يصرح أنه حنبلي المذهب إلا أنه لا يلتزم مذهبا محددا بل يعتمد منهجية الفقه المقارن والموازنة بين الآراء الفقهية، والترجيح بحسب الأدلة دون التعصب لمذهب ما.

7. لا يكتب في موضوع ما إلا بعد استيعابه من كل جوانبه، والإحاطة بمصادر متنوعة تكلمت عنه ؛ فنجده في موضوع فقهي مثلا لا يكتفي بالنصوص الفقهية من مصادره الفقهية بل يدعم ذلك بنصوص من كتب التفسير أو الحديث أو اللغة أو الزهديات أو غيرها.

8. تمكنه الواضح في تخريج الفروع على الأصول، فبعد أن يبين صورة المسألة يبدأ بذكر الأصل الذي تعود عليه، والقواعد الفقهية التي لها مساس بها، والأشباه والنظائر والأصول التي تقترب من صورتها، ويمكن أن يبنى على اساسها حكمها الشرعي.

9. غالبا ما يبدأ بسرد أدلة الرأي الراجح عنده، والأجوبة على اعتراضات الآراء المرجوحة، وفي بعض الأحيان يفعل العكس.

10 . في الأعم الأغلب بعد مناقشة الأدلة في المسائل الخلافية يذكر الرأي الراجح، ويفرد له عنوانا مستقلا، ولم يخالف ذلك إلا في مسائل قليلة جدا تركها بدون ترجيح.

11 . وعلى رأس كل ذلك تأتي أمانته العلمية، ونسبة كل قول إلى قائله، وتوثيق ذلك، واحترامه لآراء العلماء مهما كانت ضعيفة أو شاذة، ولم أقف على أي شاهد يمكن أن يفهم منه انتقاصه لأي من مخالفيه .. فحتى حين ينقل آراء ابن حزم الظاهري ويتبناها يتجنب ما يجده في رأيه من شدة مع مخالفيه وتسفيهه لآرائهم.

ثانيا: تصنيف مؤلفاته

تنوعت مؤلفات العلامة الدكتور بين الكريم زيدان ويمكن تصنيفها على مستويات ثلاث:

1. البحوث: وفي الغالب تعالج مسائل جزئية في عيون مسائل الفقه ك « أحكام اللقيط في الشريعة الإسلامية » أو أصوله ك « اثر القصود في التصرفات والعقود » أو نوازله ك «حكم عقد التأمين » و «حكم الإضراب »، أو في السياسة الشرعية ك «الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام »، أو قضية فكرية ك «نظرية التجديد في الفكر الإسلامي »

2. الموجزات: وهي الكتب التي تمثل مدخل للموضوعات التي تتعرض لها تستوعب فروعها على سبيل الإجمال دون التعمق في تفصيلاتها وجزئياتها ومثالها «المدخل لدراسة الشريعة » و «الوجيز في أصول الفقه » و «الوجيز في شرح القواعد الفقهية »

3. الموسوعات:وهي كتب موسعة تستقصي كل جزئيات الموضوع وتفصيلاته الدقيقة ويأتي على رأسها موسوعته البديعة «المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية» و «أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام» و «المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة».

ثالثا: نتاجه العلمي

أنتج لنا العلامة عبد الكريم زيدان حفظه الله الكثير من المؤلفات العلمية والبحوث والمقالات منها المطبوع ومنها مازال مخطوطا، وبعض كتبه لرصانتها وسهولة عبارتها معتمدة كمناهج دراسية في العديد من الجامعات العربية والإسلامية كـ «أصول الدعوة» و «المدخل لدراسة الشريعة» و «الوجيز في أصول الفقه» الذي شرح من قبل علماء أجلاء، و «الوجيز في شرح القواعد الفقهية».

يمكن تعداد نتاجاته المطبوعة بالآتي:

من الكتب

1. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام. (2) مجلد

2. المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية. (مجلد)

3. المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية. (11) مجلد

4. أصول الدعوة. (مجلد)

5. المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة. 2 (مجلد)

6. السنن الإلهية في الأمم والأفراد والجماعات. (مجلد)

7. الكفالة والحوالة في الفقه المقارن. (مجلد)

8. الفرد والدولة في الشريعة. (كتاب)

9. نظام القضاء في الشريعة الإسلامية. (مجلد)

10 . بحوث اسلامية. (كتاب)

11 . الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الإسلامية. (مجلد)

12 . الوجيز في أصول الفقه. (مجلد)

13 . نظرات في الشريعة الإسلامية. (مجلد)

من البحوث:

1. اثر القصود في التصرفات والعقود.

2. اللقطة وأحكامها في الشريعة الإسلامية.

3. أحكام اللقيط في الشريعة الإسلامية.

4. حالة الضرورة في الشريعة الإسلامية.

5. الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام.

6. الاختلاف في الشريعة الإسلامية.

7. عقيدة القضاء والقدر وآثرها في سلوك الفرد.

8. العقوبة في الشريعة الإسلامية.

9. حقوق الأفراد في دار الإسلام.

10 . القيود الواردة على الملكية الفردية للمصلحة العامة في الشريعة الإسلامية

11 . موقف الشريعة الإسلامية من الرق.

12 . النية المجردة في الشريعة الإسلامية.

13 . قضايا تتعلق بموضوع النكاح )نكاح المتعة، نكاح المسيار، الخطبة، الخلع(

14 . مسائل الرضاع في الشريعة الإسلامية.

15 . بين الحق والباطل.

16 . نظرية التجديد في الفكر الإسلامي.

17 . حكم عقد التأمين في الشريعة الإسلامية.

18 . مدى مشروعية الضرائب التي تفرضها الدول.

19 . دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها.

  المبحث الثاني

جهوده في عيون مسائل الفقه وأصوله

ويشتمل على مطلبين:

المطلب الأول

جهوده في علم أصول الفقه وقواعده .

تمهيد:  يقول استاذنا العلامة: «الفقه واصوله يتفقان على أن غرضهما التوصل إلى الأحكام إلا أن الأصول تبين مناهج الوصول، وطرق الاستنباط، والفقه: يستنبط الأحكام فعلا على ضوء المناهج التي رسمها علم الأصول، وبتطبيق القواعد التي قررها » وانطلاقا من مقولته هذه كان لابد لنا من تسليط الضوء على جهوده الأصولية ونتاجه العلمي فيها واختياراته من خلال النقطتين الآتيتين.

أولا: نتاجاته في أصول الفقه وقواعده، ومنهجه

ابتداء يؤكد علامتنا على أهمية هذا العلم والحاجة إليه بالنسبة للمجتهد، ولمن لم يصل درجة الاجتهاد من أهل العلم، وللمعني بالقوانين الوضعية. أما المجتهد: فلا غنى له عن هذا العلم؛ كونه المعني باستنباط الأحكام. وأما من لم يصل درجة الاجتهاد: فيحتاجه كذلك ليعرف مآخذ الأئمة وأساس مذاهبهم ليستطيع المقارنة والترجيح بين الأقوال. وأما المعني بالقوانين الوضعية من محام، أو قاض، أو مدرس فيحتاج هو الآخر لهذا العلم؛ لأن القواعد والأصول التي قررها هذا العلم يلزم الإحاطة بها من قبل من يتصدى للقوانين الوضعية.

وتتجلى جهوده في أصول الفقه وقواعده في ثلاثة كتب مهمة )هي: الوجيز في أصول الفقه، والوجيز في شرح القواعد الفقهية، والمدخل لدراسة الشريعة، وبحثين مستقلين هما: حالة الضرورة في الشريعة الإسلامية، اثر القصود في التصرفات والعقود ومباحث ضمنية في بقية كتبه ولاسيما موسوعته الفقهية المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم.

* ويلخص العلامة عبد الكريم زيدان منهجه في الوجيز في اصول الفقه من خلال تأكيده أن موضوع علم أصول الفقه هو (الحكم – ودليله – وطرق استنباطه – والمستنبط) فرسم بذلك صورة موجزة لمنهجه (الذي تطابق مع منهج من سبقه من الأصوليين) في عرض هذا الموضوع من خلال اربعة أبواب رئيسية:

   الباب الأول: الحكم (ويدخل فيه أقسام الحكم وقيوده، والحاكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه) وما يتفرع عنها من مباحث.

   الباب الثاني: الأدلة (وتشمل مباحث الأدلة المجمع عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ومباحث الأدلة المختلف فيها كالاستحسان، والاستصلاح، والعرف، وسد الذرائع ... وغيرها)

   الباب الثالث: طرق الاستنباط (وتشمل القواعد اللغوية، ومقاصد التشريع العامة، والناسخ والمنسوخ، والتعارض والترجيح)

   الباب الرابع: المستنبط (من حيث الشروط والأهلية، ومباحث الاجتهاد، والتقليد).

* أما في كتابه «الوجيز في شرح القواعد الفقهية» فقد شرح من خلاله مائة قاعدة فقهية، مع تطبيقاتها في الفروع الفقهية، اختصر الكلام في القواعد الفرعية منها، واستفاض في القواعد الجامعة منها من حيث الاستدلال وأثرها في الفروع ومنها: قاعدة «الأمور بمقاصدها» و «المشقة تجلب التيسير» و «اليقين لا يزول بالشك» و «الأصل براءة الذمة» و «لا ضر ولا ضرار » و  «العادة محكمة» و «درئ الحدود بالشبهات» ... وغيرها.

ثانيا: نماذج من اختياراته الأصولية

1. يرجح الدكتور عبد الكريم زيدان عدم غلق باب الاجتهاد وأنه باق إلى يوم القيامة .. ولكن بشروطه. ثم وجه رأي من أفتى بسد باب الاجتهاد بأنه قاله اجتهادا عندما رأى جرأة الجهال على شرع الله، وتشريع الأحكام بالهوى، وادعاء الاجتهاد من قبل اناس لا يعرفون منه إلا الاسم.

2. رجح الطريقة الثالثة في البحث الأصولي القائم على الجمع بين الطريقتين )المتكلمين، والفقهاء من الحنفية( للظفر بمزايا المسلكين )تقرير القواعد الأصولية المجردة التي يسندها الدليل لتكون موازين الاستنباط، مع الالتفات إلى المنقول عن الأئمة من الفروع الفقهية

  المطلب الثاني

جهوده في علم الفقه

تتجلى جهوده الفقهية في عدة كتب من مؤلفاته التي استعرضناها ولكن يأتي في القمة منها كتابه الموسوعي الرصين «المفصل في أحكام المرأة وبيت المسلم في الشريعة الإسلامية » ولن نتكلم عن الأمانة العلمية لعلامتنا في هذا الكتاب ودقته في التوثيق ونسبة الأقوال إلى قائليها فذلك ظاهر كالشمس في رابعة النهار، ولكن نحتاج إلى تسليط الضوء على منهجه ومميزات كتابه المفصل، ونماذج من ترجيحاته الفقهية في هذا الكتاب.

أولا: منهجه ومميزات كتابه «المفصل»

* تظهر منهجيته في التأليف التي ذكرناها سابقا واضحة في كتابه المفصل مما تعد مميزات لكتابه ويمكن التأكيد على بعض هذه المميزات من خلال النقاط الآتية:

1. سهولة العرض مع منتهى الدقة

إن المتمعن في كتابه يجده مثالا يحتذى لفن التأليف يجمع بين رصانة العبارة ودقتها، وسهولة العرض ووضوحه .. فعقليته منظمة جدا، ومنهجيته مرتبة تنفر من الحشو واللغو، والعبارات المطاطية التي تحتمل وجوها من المعنى .. ولا غرابة في ذلك إذا علمنا أنه متقن لفنون الأصول والفقه والقانون. وتتجلى مظاهر الدقة والسهولة بالنقاط الآتية:

   أ. تحديد الموضوع، وإبراز الخطة والهدف من الدراسة: بإلقاء نظرة في مقدمة كل موضوع يبحثه تجد مصداق ذلك.

   ب. إيثاره تجنب التكلف والتوسع في التأويل بدون دليل: فهو يميل إلى الوضوح والبساطة في عرض المادة ويبتعد عن مداخلات الكلام ليحاول الوصول إلى مبتغاه بأيسر السبل. لذا نجده أحيانا يرد على بعض العلماء الذين ذهبوا بعيدا في تأويلاتهم.

   ت. ضبط المفردات والمصطلحات: حرص العلامة عبد الكريم زيدان على ضبط المصطلحات الفقهية وإيضاح معانيها، والدقة في ضبطها، وتحقيق محل الخلاف فيها.

2. الانتقال من الإجمال إلى التفصيل اسلوبه هذا صفة يتميز بها في كل مؤلفاته ؛ فهو يبدأ بعرض الموضوع إجماليا، ويحدد خطوطه العريضة، وأركانه وشروطه وقيوده .. ثم ينتقل بعد ذلك للتفصيل). مثال ذلك: يظهر بالنظر في بداية كل موضوع في كتابه المفصل.

3. استيعابه لجوانب المسألة التي يعرضها.

يمتاز استاذنا بحرصه الكبير على الاستقصاء والإلمام بكل جوانب القضية التي يناقشها، وذلك لهمته العالية، وصبره، وغزارة علمه، واستشعاره بالمسؤولية وعظم الأمانة .. فيكثر من بيان تشعبات المسائل وتفاصيلها، وتفكيك جزيئاتها وتحرير محل الخلاف فيها بدقة عجيبة. ثم استعراض أقوال الفقهاء وتوجيهها. ولكنه في الوقت نفسه يميل إلى العبارات المباشرة السهلة الموجزة دون إخلال في تصوير المسألة.. فإذا اقتضى الأمر الإطالة والاتساع )في مثل المسائل التي كثر فيها النزاع وتنوعت فيها الآراء( نجده لا يبخل في بسطها وإيضاحها.

4. استدراكاته وتوجيهاته الفقهية.

في عرضه للآراء الفقهية كثيرا ما نجده يستدرك عليهم بعض ما أهملوه من جوانب المسألة أو ما استجد فيها من تفصيل عرض عليها لاحقا.

* ومن استدراكاته: حكمه على بعض النوازل الفقهية التي سنتطرق إليها بمبحث مستقل.

ومن استدراكاته: بيانه لبعض جوانب المسائل التي لم يقف على كلام للفقهاء فيها.

مثال ذلك: استدراكه لمسألة هل يجوز الضمان في الرجوع عن الخطبة؟ بمعنى إذا رجع الخاطب أو المخطوبة عن الخطبة، وادعى الطرف الآخر أنه تضرر بهذا الرجوع فهل له أن يطلب التعويض؟ ثم بين سكوت الفقهاء عن بحث هذه المسألة ووجه سبب سكوتهم ثم فصل المسألة وبين حالاتها فيما اذا كان الراجع هو المضرور، وفيما إذا كان المضرور هو الطرف الآخر .. ثم رجح عدم تحمل الراجع اي تعويض للطرف الآخر ؛ لأنه استعمل أمرا جائزا له، والجواز الشرعي ينافي الضمان.

وفي هذا الكتاب ظهر بشكل جلي مقدرته الكبيرة في توجيه بعض الأحكام الشرعية، والآراء الفقهية وبيان أسبابها ومراميها وقيودها وحكمها.

5. تخريجه الفروع على الأصول

يحسن بنا قبل أن نتطرق إلى هذه الميزة في منهج استاذنا الكريم أن نبين معنى هذا العلم. فيعرف بأنه «العلم الذي يعرف به استعمال القواعد الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية»

ولأن خلفية استاذنا أصولية قانونية فنجده بارعا في هذا العلم، وفي الكثير من المسائل التي لا يكون الأصل الذي تخرج عليه ظاهرا لا يكتفي بعرض الآراء النهائية للفقهاء فيها فحسب، بل يخرج المسألة على أصلها ويعود بها إلى القواعد التي لها مساس بها، أما المسائل التي يتنازعها أكثر من أصل فيحقق إلى أي الأصول هي أشبه قبل أن يرجح الحكم النهائي لها كما في مسألة زكاة مال الصبي.

6. مصادره وسعة اطلاعه

تنوعت مصادره في الكتاب بشكل كبير، حيث بحث مسائله الفقهية من وجهة نظر مقارنة على سبعة مذاهب (هي الأربعة المشهورة، والجعفرية، والزيدية، والظاهرية) ورجع إلى مصادرهم الفقهية. وأحيانا يذكر أقوال بعض الفقهاء الذين كانت لهم اجتهادات خارج هذه المذاهب كالثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي وغيرهم.

ولسعة اطلاعه كان يتوسع بالاعتماد على مصادر أخرى تطرقت للمسألة كالتفاسير، وكتب اللغة، وكتب السيرة، وكتب القانون، وكتب الحديث الشريف وشروحه. ويلاحظ ميله للاعتماد على كتب ابن تيمية ولا سيما مجموعة الفتاوى.

ثانيا: نماذج من اختياراته وترجيحاته الفقهية

في ختام تحليلنا للموسوعة الفقهية لأستاذنا العلامة عبد الكريم زيدان يحسن بنا أن نعرف قراء بحثنا المتواضع هذا ببعض اختياراته الفقهية) وهي شذرات متباعدة من كتبه على سبيل التمثيل لا الحصر فنوجز ذلك بما يأتي:

1. اختار مذهب الحنابلة أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بشهوة. ولكن استدرك عليه أن العبرة بالشهوة وليس بملامسة البشرة، فلا فرق بين كون اللمس من وراء حائل أو بدون حائل، بل ربما يكون الحائل الناعم الرقيق أدعى إلى إثارة الشهوة. والقيد الاخير من انفراداته.

2. رجح مذهب الحنابلة في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في السرية، وأنها غير واجبة ولا مستحبة في الصلاة الجهرية إذا كان يسمع القراءة.

3. رجح كون مهر المرأة المؤجل غير مانع من وجوب الزكاة ولو كان مستغرقا لجميع النصاب.

4. رجح أن «صوت المرأة ليس بعورة » وأن الممنوع عليها رفع الصوت وتمطيطه، وتليينه وتقطيعه، لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحريك الشهوات منهم؛ ولأجل هذا لم يجز للمرأة أن تؤذن ... فمتى كان وسيلة للتعبير عن الحق من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو التعبير عما تحتاج إليه ملتزمة بآداب الحديث مع الرجال من غير تليين ولا تمييع ولا تجميل فمشروع، ومتى كان كلاماً باطلاً أو فيه دعوة إلى باطل أو صد عن خير فهو محظور، إذ الوسائل تأخذ حكم المقاصد.

5. رجح جواز إمامة المرأة للرجل في حالات محددة فقال: « والراجح جواز أن تؤم المرأة الرجل مع أهل بيتها في دارها إذا كانت المرأة هي الأولى بالإمامة من الرجل لكونها أقرأ وأفقه » وذكر دليل ذلك.

6. في مسألة التسعير للسلع رجح جواز ذلك لولي الأمر فقال: «والراجح ما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله، فلولي الأمر أن يسعّر السلع التي يحتاجها الناس بأن يضع لها سعراً عادلاً يلاحظ فيه مصلحة أرباب السلع، بأن يوفر لهم ربحاً معقولاً مناسباً ويلاحظ فيه مصلحة الناس المشترين، بأن يجعل السعر بقيمة المثل أو أزيد منه بقليل ولاشك في ان في التسعير تقييداً لحق المالك في التصرف في ملكه ولكنه تقييد للمصلحة العامة، والمصلحة العامة معتبرة في الشريعة، ومن ثم أجاز التسعير؛ لأن الباعة لم يتصرفوا في ملكهم بمقتضى العدل الذي يلزمهم به الشرع، فكان لابد من قيام ولي الأمر بحملهم على ذلك عن طريق التسعير »

7. رجح أن المطلقة بالثلاث في مجلس واحد بلفظ واحد (كقوله أنت طالق بالثلاث) أو بلفظ متكرر (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) يقع عليها طلقة واحدة وعلله بقوله: «وهذا القول أرفق بعامة المسلمين وأقرب إلى تحقيق المصلحة المشروعة للأسرة المسلمة، بالإضافة إلى ما لهذا القول من مستند شرعي قوي بينا وجوهه فيما سبق والله أعلم »

  المبحث الثالث

جهوده في النوازل الفقهية والسياسة الشرعية

تمهيد: 
لاشك أن حركة الحياة متجددة ومتطورة باستمرار، وهذه الحركة والتطور تفرز وقائع ونوازل لم تكن متعارفة في الأزمنة التي سبقتها. وفي عصرنا الذي نعيشه وقعت حوادث ونوازل عديدة وما زالت تتتابع ، ومن جملتها نوازل عقدية، كالحوار بين الأديان ، ومنها نوازل تتعلق بالسياسة الشرعية ونظام الحكم كطريقة اختيار الحاكم، والمشاركة في الحكم في ظل القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية، والتعاملات الدولية مع غير المسلمين، وغير ذلك من النوازل الأخرى المهمة، ومنها ما يعد نوازل فقهية كالتأمين على الحياة، وأطفال الأنابيب، والاستنساخ، والتذكية بالآلات الكهربائية وغيرها.

ولما كان واقعنا الذي نعيشه مليئا بالأحداث والوقائع والنوازل والأفعال الطارئة التي لم تتطرق لها النصوص ولا اجتهادات فقهائنا السابقين، ولاسيما في ظل ما تعيشه الأمة من منعطفات مهمة وخطيرة، فإننا بأمس الحاجة إلى فقه متجدد قابل للتطبيق لتنزيل المستجدات منازلها من الشرع، وفقهاء مجتهدين مجددين عندهم الملكة التي تؤهلهم لتكييف هذه المستجدات والوقائع والنوازل تبعا لشريعة الله.

لذا تعد دراسة النوازل في الشريعة الإسلامية من الأهمية بمكان؛ لما فيها من دلالة على مرونة الشريعة وصلاحية الدين الإسلامي لكل زمان ومكان. وهذا كله يستلزم جهداً وحركة علمية عميقة كي نستطيع استنطاق الشريعة بأحكام منهجية وعملية تتماشى مع الواقع وتلبي احتياجاته  ولا تقفز عليها، مما يحقق للناس مصالحهم أو يدرأ عنهم المفاسد. وقد كان للشيخ العلامة عبدالكريم زيدان اسهاماته في هذا المجال، بل كان له القدح المعلى في ذلك وهو ما سنتعرف عليه من خلال المطلبين الآتيين:

  المطلب الأول

جهوده في فقه النوازل

أولا: تعريف النازلة لغة واصطلاحا

النوازل: عند أهل اللغة جمع نازلة.  وهي: الأمر الشديد الصعب، من شدائد الدهر تنزل بالناس. ولها مراتب، ومن ذلك ما  ذكره الثعالبي في درجات النوازل قال: تقال: (نازلة، ونائبة، وحادثة) ثم (آبدة، وداهية، وباقعة) ثم (بائقة، وحاطمة، وفاقرة) ثم (غاشية، وواقعة، وقارعة) ثم (حاقة، وطامة، وصاخة).

واصطلاحاً:  هي الأمور والقضايا المستجدة والحادثة التي تحصل مع تطور الأوقات واختلاف الأزمان والأماكن.

لذلك تعرف بأنها: «الوقائع الجديدة التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد»

فقوله: (الوقائع الجديدة) تشمل كل ما يقع للناس من مسائل في أمورهم العلمية والاعتقادية والعملية.

وقوله: (التي لم يسبق فيها نص أو اجتهاد): لأنه إذا كان فيها نص أو اجتهاد فإنها لا تعد نازلة.

وفقه النوازل: معرفة الحكم الشرعي للوقائع والحوادث والمسائل المستجدة.

والنوازل كانت تعرف عند فقهاء الحنفية (بواقعات المفتين)، التي زخرت بها مكتبات العالم الإسلامي من خلال كتب الفتاوى التي تمثل جانبًا مهما من فقه النوازل، وهنالك مصنفات لكل من فقهاء الحنفية والمالكية والمذاهب الأخرى حملت هذا الاسم منذ وقت مبكر في نشأة مذاهبهم، وقد جعلوا مناط هذا النوع من العلم ما يسمى ب «فقه التخريج ». بل جعل الحنفية فقه النوازل بالمرتبة الثالثة بين اصولهم.

ونتيجة لذلك توافر لنا تراث ضخم من فقه النوازل لا يوجد أبداً لأية أمة أخرى، وهو تراث غني مليء بالتجارب والحلول الناجحة، صالح للاستفادة منه لجيلنا الحاضر، وللأجيال اللاحقة بعد التنقية والاجتهاد للوصول إلى ما هو الراجح الذي يدعمه الدليل من الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الغراء، ثم إعمال الاجتهاد من جديد فيما لا يوجد فيه قول من أقوال فقهائنا الكرام رحمهم الله.

ولذلك نجزم انطلاقا من يقيننا بخلود شريعتنا وإحاطتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان أنه لا توجد قضية من قضايا عصرنا إلا ويمكن أن نجد لها حكما في شريعة الله تعالى إما نصاً أو دلالة، أو استنباطاً من المبادئ الكلية، والمقاصد العامة لهذه الشريعة.

ثانيا: جهود العلامة عبد الكريم في النوازل

بحث فضيلة الدكتور العلامة عبد الكريم زيدان في عدد من الرسائل والبحوث عددا من القضايا المستجدة المعاصرة التي واجهت الأمة في واقعنا المعاصر والتي وقع الخلاف في بيان أحكامها الشرعية بين الفقهاء والباحثين المعاصرين ومنها:

1) حكم عقد التأمين في الشريعة الاسلامية.

2) مدى مشروعية الضرائب التي تفرضها الدولة على الافراد.

3) إثبات الأهلة والمراصد الفلكية.

4) الديمقراطية ومشاركة المسلم في الانتخابات.

5) دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها.

6) قضايا معاصرة تتعلق بموضوع النكاح.

7) حكم الاضراب في الشريعة الاسلامية.

* المسائل المعاصرة المستجدة التي بحثها ضمنا في موسوعته الكبيرة «المفصل في أحكام المرأة  والبيت المسلم في الشريعة الاسلامية » منها على سبيل التمثيل لا الحصر:

8) زكاة سندات الاستثمار، وسندات القرض.

9) هل يثبت رمضان فلكيا.

10) التذكية بالآلات الكهربائية، وحكم تخدير الحيوان قبل تذكيته.

11) البندقية الحديثة )الكلاشنكوف( هل تعد آلة صيد تحصل بها التذكية.

12) حكم التسمية على الذبيحة بآلة تسجيل )شريط( يسمع عند قطع الآلة.

13) حكم استعمال المخدر لإجراء العمليات الجراحية.

14) الحكم في عمليات التجميل )شد الوجه، شفط الشحوم، تعديل الأنف، ترقيق الشفاه أو نفخها، تكبير الثديين ... الخ)

15) حكم المخدرات وما شابهها.

16) التبرع بالدم، وحكم بيعه وشراءه، وحكم مصارف الدم.

17) الانتفاع بأجزاء الميت لعلاج حي.

18) الحكم في عمليات الإجهاض الحديثة.

19) كما للشيخ فتاوى متنوعة في بعض المستجدات في نوازل العراق وغيرها غير مجموعة في كتاب أو مؤلف.

ثالثا: منهجية تعامله مع النوازل

يمتاز أسلوب الدكتور عبد الكريم زيدان في تناوله للنوازل الفقهية بمنهجية واضحة تكاد تكون واحدة، وهي تتسق مع أسلوبه العام في التأليف الفقهي الذي ذكرناه سابقا.

فيبتدئ المسألة بتوضيح وتعريف النازلة وصورتها وكيفية نشأتها وأسبابها وبيان جميع ما يتعلق بها في الواقع. وبعد التعريف والتوضيح والبيان لصورة المسألة يبدأ بذكر القواعد الفقهية، والأشباه والنظائر والأصول التي تقترب من صورة النازلة، أو المسائل التي يمكن أن يبنى على اساسها الحكم الشرعي، ثم يتبع ذلك بذكر آراء الفقهاء وخلافهم وأدلتهم في المسألة إن وجدت؛ لأنّ الدكتور يؤكد على منهجية الفقه المقارن والموازنة بين آراء الفقهاء ونبذ التعصب المذهبي، كما يظهر من منهجيته تفكيك المسألة الواحدة إذا كانت مركبة كي يتمكن من الحكم على كل جزء بما يستحق دون حصر الجميع تحت حكم واحد، بل يحكم على كل جزئية بحسب الأدلة التي تتناولها، ثم يرجح من بين الآراء ما يراه اقوى دليلا، وغالبا ما يبدأ بسرد أدلة الرأي الراجح ويرد بعد ذلك على اعتراضات الراي المرجوح، وقد يفعل العكس.

ونجد مثال ذلك: فبعد تعريفه للديمقراطية وما يتعلق بها ينتقل لبيان تكييفها من ناحية الأساس الفكري الذي تقوم عليه، فيرى أنها مبتناة على مبدأ (سيادة الأمة) وأن هذا المبدأ الذي تبتنى عليه باطل بحكم الشرع وهو معارض لمبدأ الحاكمية في الإسلام لله وحده).

لكننا نجده بعد ذلك يجيز إقامة الأحزاب ضمن شروط تضمن أن تكون هذه الأحزاب محكومة بأحكام الإسلام ومنهجه وتحقيق اغراضه.

ثم يخلص من ذلك لترجيح جواز المشاركة في الانتخابات النيابية في الدول الإسلامية ضمن تأصيل وشروط مستدلا على ذلك بأدلة من كتاب الله وسنة وسيرة نبيه ﷺ وبعد ذلك يذكر اعتراضات المعترضين ويتبعها بالرد والتفنيد).

بينما تختلف معالجته لحكم عقد التأمين نسبيا، إذ أنه بعد تعريف العقد وأنواعه وما يتعلق به أتى بحجج الرأي المرجوح عنده الذي يرى جواز عقود التأمين، ثم يتبع ذلك بالتوسع في الرد على حجج المبيحين من طريقين، فقال: «مقدمة الردود: على المبيحين من العلماء القائلين بالحل وهي ردود سليمة ومقبولة:

أولاً: من جهة المبادئ:

بنوا احتجاجهم في ثلاثة اتجاهات:

أولا: التشبث بالأصول التي تبنى عليها الأحكام ويدخل في هذا المصلحة والعرف والضرورة.

ثانياً: القياس على بعض العقود الشرعية مثل عقد الحراسة والجعالة ويمكن أيضاً ما ذهب إليه المالكية في الوعد الملزم.

ثالثاً: التشبث بالأنظمة الشرعية كنظام العواقل حيث تلتزم العاقلة بدفع الدية في حالة القتل الخطأ للمنتسب إليها.

ثم تتبع حجج المبيحين وردّ عليها بالتفصيل، وبينّ بعد ذلك البديل الشرعي عن عقود التأمين وبين جواز صور التأمين التعاوني التي تتجنب المحاذير الشرعية التي يقع فيها من يتعامل بعقود التأمين.

ويختلف أسلوبه من حيث التوسع والاختصار بحسب مقام بحث النازلة، فإذا كان بحثا مستقلا توسع في ذلك، أما في حال كونه مبحثا في كتاب فإنه يميل إلى الاختصار.

ومثال ذلك في المسائل التي ذكرناها آنفا: كلامه عن الديمقراطية ومشاركة المسلم في الانتخابات ولاسيما في بلاد الغرب، حيث نجده ابتدأ البحث بالكلام عن تعريف الديمقراطية وبيان كيفية نشأتها، وخصائصها وموقع الانتخابات منها، وعيوبها فقال: «وقبل الكلام عن مشاركة المسلم في هذه الانتخابات التي تستلزمها الديمقراطية لابد من الكلام عن الديمقراطية نفسها ببيان معناها ومفهومها في الاصطلاح القانوني ثم بيان خصائصها وأنواعها وتطبيقاتها في الواقع ....إلخ»

وفي كلامه عن عقد التأمين سلك المنهج ذاته حيث يقول «وقبل البدء في مساعي التعرف على حكمه لابد من بيان ماهيته لأن تصور الشيء ومعرفة ماهيته يسبق التعرف على حكمه» ثم يبين صفة هذا العقد من الناحية القانونية وعناصره وأنواعه.

في سياق آخر عند كلامه عن الذبح بالآلات الكهربائية في المجازر المعاصرة إذ تطرق لهذه المسألة في كتابه (المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم) ضمن المسائل الحادثة في عصرنا في الصيد والتذكية اكتفى بسرد سريع لصورة الواقع المعمول به في تلك المجازر دون التشعب في التفاصيل حيث أن المسألة لا تتعلق ببحث مستقل بل تبحث ضمن كتاب موسوعي كبير لا يحتمل الإطناب في مثل تلك المسائل).

المطلب الثاني

جهوده في السياسة الشرعية

أولا: تعريف السياسة الشرعية لغة واصطلاحا

السياسة في اللغة مشتقة من مادة (س و س) وهي تأتي بعدة معان منها: الرياسة والقيام على الشيء بما يصلحه، ومنه سياسة الدواب وسياسة الرعية، فهي ولاية أمر الشيء والقيام به مع الصبر والتلطف لإصلاحه أو إفساده وغالبا ما يأتي بمعنى الإصلاح.

وهي موصوفة بـ (الشرعية) نسبة للشريعة الإسلامية بمعنى الانضباط بها.

أما في الاصطلاح: فقد اختلفت العبارات حسب اختلاف المعنى والاستخدام، ويهمنا هنا تعريفها بمعناها العام والذي تعددت عبارات العلماء والباحثين فيه، ونختار من بين تلك العبارات أنها: (الأحكام والتصرفات الشرعية الثابتة بالنص أو الاجتهاد، والتي يقصد بها رعاية المصالح والشؤون العامة لجماعة المسلمين ومن يدخل تحت ولايتهم).

وتأتي أهمية التأليف في هذا الفن من أبواب الفقه الإسلامي من صلته بواقع حياة المسلمين وشؤونهم العامة ومعالجة مشاكل واقعهم السياسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي والنظم التي تدير المجتمعات الإسلامية وعلاقتهم بالمجتمعات الأخرى، ولاسيما بعد غياب مفهوم الدولة الإسلامية والحكم بالشريعة الإسلامية عن أغلب بلاد المسلمين في الواقع المعاصر بعد احتلال الدول الغربية لأكثر تلك البلاد في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

فكان لابد من الاعتناء بالتأليف في هذا الفن ولاسيما ممن ينبري للشأن العام والدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة شرع الله – ومنهم الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان – لمعالجة مشكلات الواقع الشاذ الذي يعيشه المسلمون اليوم، زيادة على تقريب كتب الفقهاء السابقة التي كانت تعالج واقعا تحكمه دول إسلامية قوية كي يوائم فقه العصر ويحوله إلى فقه صالح للتطبيق في حياة المسلمين السياسية اليوم.

ومن التعريف يتبين لنا أن علم السياسة الشرعية يتناول الأحكام الشرعية التي يقصد بها رعاية الشؤون العامة للمسلمين: كأنظمة الحكم والإدارة ونظام القضاء وشؤون الحرب والعلاقات الدولية وغيرها.

ثانيا: جهود العلامة عبد الكريم زيدان في السياسة الشرعية

خصص فضيلة الدكتور عبد الكريم زيدان الكثير من جهوده الفقهية وبحوثه لدراسة مسائل السياسة الشرعية، وهذا نابع – كما بينا في الحديث عن شخصيته – من كونه داعية يحمل هموم الأمة وصاحب رسالة يسعى لتبليغها وتحقيقها في واقع المسلمين، فكان لشؤون المسلمين العامة والمعاصرة حيز كبير في اهتماماته، ومن هذه الكتب والبحوث:

1) أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام: وهو من مؤلفاته المهمة التي تندرج في باب السياسة الشرعية، بل هو باكورة جهوده الفقهية. وأصل هذا الكتاب هو أطروحة الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة القاهرة عام 1962 م ونال بها مرتبة الشرف الأولى، ويكمن أهمية الكتاب كما يقول الدكتور في مقدمته: « أن المجتمع الإسلامي لم يخل قط من غير المسلمين في أي عصر من العصور ... إلى أن قال: والحقيقة أن هذا الموضوع يستحق بذل الجهد المستطاع لتجليته وتبيينه للناس؛ فإن الشريعة الاسلامية إذا كانت للمسلمين دينا وقانونا، فهي لغير المسلمين قانون ما داموا يعيشون في دار الإسلام ».

تناول فيه نظرة الشريعة الإسلامية في تقسيم العالم، وعلاقة الدولة الاسلامية بغير المسلمين الذين يعيشون فيها ويتواجدون على أراضيها سواء كانوا ذميين أو مستأمنين، وتطرق لموضوع الجنسية في الشريعة الإسلامية واساسها ورجح حصول الذميين عليها، وبين حقوقهم وواجباتهم تجاه الدولة الإسلامية سياسيا وماليا، وتكلم عن الجرائم والعقوبات المتعلقة بهم.

أهم ما يميز هذا الكتاب أنه بحث واقعي لا ينزوي للحديث عن آراء الفقهاء في عصورهم المتقدمة، بل يكيف الأحكام الفقهية لمعالجة الواقع المعاصر، كما بين في ذلك في مقدمته للكتاب فكان من منهجه المقارنة بالقوانين المتعلقة بغير المسلمين في دول العراق و الجمهورية المتحدة (مصر وسوريا في ذلك الوقت) والتي تعتمد قانونا وضعيا، وكذلك المملكة العربية السعودية التي تحكم بالشريعة الإسلامية)، كما نجده حريصا على معالجة الأحكام الشرعية للواقع المعاصر وتكييفها وفق آراء الفقهاء.

2) نظام القضاء في الشريعة الإسلامية: وهو موسوعة تناول فيها كل ما يتعلق بأحكام القضاء وأنظمته في كتب الفقهاء الأقدمين وكيفية موائمتها للواقع المعاصر، واستوعب فيه كل جوانب علم القضاء فأتى في أربعمائة صفحة تكلم فيها بالتفصيل عن القضاء والقاضي والدعوى وأصولها وطرق الإثبات، وإصدار الحكم، والتحكيم، وولاية المظالم، ونظام الحسبة).

3) الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية: عالج فيه المؤلف رؤية بعض الناس أن الشريعة الإسلامية دعوة دينية تعني بالأخلاق وتنظيم علاقة الإنسان بربه، ولا شأن لها بما وراء ذلك من شؤون الحياة، ومنها شؤون الدولة والحكم... للرد على هذا القول تحدث فيه عن الدولة ومركز الفرد فيها في الشريعة الإسلامية، خصص الفصل الأول لمكانة الدولة في الشريعة الإسلامية من جهة مدى وجوب إقامتها وطبيعتها وأهدافها، وفي الثاني فيه المركز القانون للفرد في الدولة من جهة الحقوق التي يتمتع بها، أما في الثالث فأفرده للحقوق التي للدولة على الفرد، وجاء الكتاب في أكثر من مائة صفحة).

ومن البحوث التي نشرها الدكتور وهي مقاربة لموضوع الكتاب السابق بحث بعنوان «حقوق الأفراد في دار الإسلام » الذي نشره ضمن كتابه (مجموعة بحوث فقهية) ولعل هذا البحث هو أصل الكتاب السابق.

4) الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام: وهو من البحوث المهمة في هذا المجال نشره ضمن (مجموعة بحوث فقهية) وقد أثبت في هذا البحث أن الشريعة الإسلامية وضعت قانونا دوليا عاما من خلال عرض عدد من الحقائق، ويعرف القانون الدولي الإسلامي بأنه: «مجموعة القواعد والأحكام في الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها الدولة الإسلامية في علاقاتها مع الدول الأخرى». ثم يبين خصائص هذا القانون ومصادره التي يستمد منها أحكامه.

5) من قضايا النوازل في السياسة الشرعية التي تناولها الدكتور في بحوثه «الديمقراطية ومشاركة المسلم في الانتخابات » المنشور ضمن كتابه (بحوث فقهية معاصرة) وقد تناولناه في معرض كلامنا عن جهوده في فقه النوازل.

وكذلك بحثه «دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها» الذي نشره ضمن محاضراته في القضاء والفتوى التي القاها في اليمن، وقد عالج في هذا البحث قضايا مهمة تشكل في أحكام الفقه وابتلي بها الكثير من المسلمين، إذ شاعت منذ بدايات القرن الماضي هجرة المسلمين لبلاد الغرب، وهذا في كتب الفقهاء المتقدمين يدعى (الهجرة من دار الإسلام إلى دار الحرب) وهو أمر ممنوع لدى جميع الفقهاء، فتناول الدكتور المسألة بمنهجه المعهود في تحرير الواقع وبيان ملابساته وتجزئة المسألة، فبين التكييف الشرعي لواقع بلاد المسلمين وبلاد الغرب، وبين أنّ: «الأصل في دخول المسلم داراً غير إسلامية هو الحظر والاستثناء هو الجواز بشرط أن يكون هناك مبرر لدخوله هذا أو إقامته في البلد غير الإسلامي الذي انتقل إليه».

ثم يوضح الدكتور المبررات الشرعية لدخول المسلم لدولة غير إسلامية كالتجارة والدعوة إلى الله تعالى وطلب العلم النافع واللجوء السياسي والتداوي والعلاج والاطلاع على أحوال الدول.

ثم يتطرق الدكتور لمسألة حيازة بعض المسلمين لجنسية دولة غير إسلامية بسبب الولادة فيها أو غيره، ومشاركته بسبب تجنسه في الانتخابات أو مؤسسات غير تشريعية والتكييف الشرعي لهذا الواقع الذي يعيشه الكثير من المسلمين.

ثم تطرق لمسائل يقع فيها كثير من المسلمين المقيمين في دول غير إسلامية في موضوع الزواج، فرجح أولوية الزواج بالمسلمة وتكلم عن صور الزواج بغير المسلمة والزواج بغرض التجنس والزواج بنية الطلاق.

6) توسع العلامة عبد الكريم زيدان في دراسة الكثير من مسائل السياسة الشرعية في موسوعته «المفصل في أحكام المرأة وبيت المسلم » منها على سبيل المثال لا الحصر: الولاية العامة والخاصة، وحقوق الإنسان وواجباته – منها الحقوق السياسية، وحق الترشح والانتخابات، وحق المساواة- والحريات العامة، ومجلس الشورى وانتخابه والترشح لعضويته، والقتال والحرب وأحكامها وآثارها، وحقوق ولي الأمر ... الخ.

كما عالج الكثير من مسائل السياسة الشرعية في كتبه المتنوعة الأخرى ككتاب «المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة» و «أصول الدعوة» مثل مسألة مشاورة الأمير لأتباعه، وحكم الشورى وكونها ملزمة أو معلمة)، والكثير من القضايا المتصلة بنظام الحكم في الإسلام فتطرق في مبحث كامل لشكل نظام الحكم في الإسلام وقواعده واسسه ومقاصده وجاء في أكثر من ثلاث وثلاثين صفحة.

ثالثا: نماذج من ترجيحاته الفقهية في السياسة الشرعية

1. هل الشورى ملزمة أم معلمة لولي الأمر؟

يرى جمهرة من الفقهاء وبعض الدعاة وجوب المشاورة، ثم وجوب نزول الإمام أو القائد عند قول الأكثرية، فالشورى ملزمة وليست معلمة فقط.

واختلف ترجيح استاذنا في هذه القضية فمال في كتابه «أصول الدعوة» إلى القول بعدم إلزامها للقائد – بمعنى أنه يرى وجوب التشاور مع استحباب النزول على رأي الأكثرية بنتيجتها-، وفى كتابه «الفرد والدولة في الشريعة الإسلامية » يذهب إلى إلزامها للإمام الحاكم، في شبه تعارض.

بعضهم يعزو هذا التعارض إلى تغير اجتهاده في المسألة وأن رأيه الثاني ناسخ للأول لمبررات ذكرها فقال: «الأخذ برأي رئيس الدولة سديد من الناحية النظرية، ولكن نظرا لضرورات الواقع، وتغير النفوس، ورقة الدين، وضعف الإيمان، وندرة الأكفاء الملهمين، كل هذا يقتضيننا أن نأخذ بالرأي الثاني، فنلزم رئيس الدولة برأي الأكثرية بشروط، الأول: إذا لم يقتنع رئيس الدولة برأي الأكثرية فله أن يحيل الخلاف إلى هيئة التحكيم، والثاني: إذا لم يقتنع برأي هيئة التحكيم، فله إجراء استفتاء عام حول موضوع الخلاف، الثالث: أن يعطي حرية اتباع الرأي الذي يراه في الأحوال الاستثنائية كحالة الحرب أو خطر يهدد سلامة البلاد »  وبعضهم ومنهم الأستاذ الراشد يرى أن لا تعارض فإن رأيه الأول يخص القائد الحركي وعلله «أن عمل الدعوات تغلب عليه الظروف الصعبة، ويتطلب سيرة منضبطة وحزماً زائداً قد يثلمه الإلزام ويكون معه الارتخاء، بينما يكون للدول سعة وهيمنة وهيبة وظروف حسنة تساعد على الإلزام وتجعله أحوط ». وقوله الثاني يخص الولاية العظمى.

2. تخويل ولي الأمر: «رجح أن وكالة رئيس الدولة عن الأمة وكالة مقيدة، ومن قيودها أن يشاور الأمة، ولا تملك الأمة التنازل عنها»

3. الترشح للمناصب: يرى جواز ترشيح الفرد نفسه لوظيفة عامة، أو لمنصب رئاسي أو نيابي في الدولة، إذا توفرت فيه الشروط والمواصفات الشرعية.

4. معيار دار الإسلام: يرجح استاذنا أن العبرة للسيادة القانونية فإذا كانت السيادة لأحكام الشريعة فهي دار إسلام، حتى لو كان السكان غير مسلمين، وإن كانت السيادة لأحكام الكفر فهي دار كفر. وفي هذا يقول: «وتصير دار الإسلام دار حرب بإظهار أحكام الكفر فيها، أي تطبيق غير أحكام الإسلام».

5. أصل العلاقة مع دول غير المسلمين: يرجح أن أصل العلاقة هي الحرب، ويرى أن من حق الدولة الإسلامية إخضاع دار الحرب لسلطانها السياسي وقانونها الإسلامي إذا رفضت ولو بالقتال.

6. حقوق أهل الذمة: رجح أن الذمي من أهل دار الإسلام، ومن حاملي الجنسية الإسلامية، ويجوز ترشحه إلى مجلس الأمة واشتراكه بالشورى.

الخاتمة

بعد حمد الله على توفيقه بإتمام ما بحثناه، والصلاة والسلام على رسول الله ومصطفاه؛ وبعد أن سردنا نبذة مختصرة عن حياة أحد أعلام العراق المعاصرين، وأحد كبار العلماء في العالم الإسلامي، بل أحد المجددين في عالم الفقه وأصوله، لابد لنا من اختتام ما بدأناه بأهم النتائج والتوصيات فنلخصها بالنقاط الآتية:

1. تبين لنا موسوعية فقيهنا وعلامتنا الدكتور عبد الكريم زيدان حفظه الله، في العلوم الشرعية ولاسيما علم الفقه وأصوله، وأن له جهودا في كل أبواب الفقه تقريبا (اللهم إلا باب البيوع من المعاملات فلم نقف له إلا على مباحث متناثرة منه) وتميزت جهوده الفقهية بمحاكاتها للواقع مع المقارنة بالأحكام القانونية مما يسهل عملية تقنين الأحكام الشرعية، ومثل هذا المنهج جدير أن يعتمد لدى الباحثين في الدراسات الفقهية.

2. ظهرت لنا ابداعات هذا العالم الجليل في الدعوة الإسلامية، والسياسة الشرعية، وفقه النوازل وأن له القدح المعلى في ذلك ولا يبارى في هذه المجالات المهمة.

3. أبهرنا الشيخ بأسلوبه الرائع في التأليف، وحسن التبويب والتقسيم، والتزامه الأسلوب الأكاديمي في كل مؤلفاته، وقدرته الفائقة في التحليل والفهم الدقيق، وتفكيك المسائل المركبة،

وتحرير محل الخلاف فيها بدقة، وتبسيطها للأفهام .. ودقته العلمية في التوثيق، واحترامه لآراء العلماء المخالفين له مهما كانت ضعيفة.

4. تبين لنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة عظيم زهد علامتنا، وابتعاده عن الإعلام، وإيثاره العمل بصمت بعيدا عن الأضواء، فمع علو شأنه ومنزلته لم يعهد عنه عيشة الترف والغنى والشهرة .. بل لا يكاد يعرف عند عموم الناس ومرجع ذلك الذي لا يحتاج إلى دليل زهده بالدنيا وإعراضه عن زخارفها وهو سمت العلماء الربانيين بلا شك .. ورغم أن مكانته بين العلماء تؤهله بامتياز أن يتبوأ المكانة المرموقة بين المشاهير إلا أنه آثر على ذلك كله العيش بين تلاميذه وطلابه وعلمه وحين يسأل يقول: “ مثل هذا الأمر يفتح علي باب الشهرة والابتلاء .. ادعو لي بحسن الختام »

5. لم نلمس في علامتنا تعصبا لمذهبه الحنبلي الذي يصرح به، بل ظهر لنا جليا تبنيه لأسلوب الفقه المقارن وترجيح ما يثبته الدليل الذي يظهر له. ثبت لنا ذلك من خلال تنوع ترجيحاته الكثيرة بين جميع المذاهب، وأحيانا ينفرد بحكم مستقل كما في مسألة نقض الوضوء بلمس المرأة.

6. نوصي أن تُولى هذه الشخصية الأهمية التي تليق بمقامها، وأن تُعرف الأجيال بعظيم فضل علامتنا على الأمة الإسلامية، وأن تدرس نتاجاته، وتحلل وتنشر على نطاق واسع.

7. نوصي أن يكرم علامتنا من أعلى سلطة في الدولة، وأن يعطى أعلى وسام علمي إذ لا يعقل أن يكرم خارج بلده بجائزة خدمة الإسلام والدعوة الإسلامية، ويعامل بالجفاء والإهمال داخل بلده الذي رفعه بهذه الجهود المباركة التي يعترف بها الجميع.

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين,,

تم الفراغ منه ببغداد 1/10/2013م

الدكتور عيسى الفلاحي                       الدكتور أحمد الراوي

الجامعة العراقية/كلية التربية للبنات     الجامعة العراقية/كلية الآداب


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2018-05-11 (565 قراءة)