فيديو
الايمان بالقضاء والقدر واثره في سلوك الفرد للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان
.. المزيد
عن الشيخ
لم  يكتِّب  الشيخ عبدالكريم زيدان رحمه الله سيرته الذاتية بكتاب جامع لها, ولم يكن يكترث كثيرا لهذا (رحمه الله), ولكن شاء الله ان يقوم طالب في جامعة الازهر الشريف بتسجيل رسالة دكتوراه بعنوان (جهود د. عبدالكريم زيدان في خدمة الدعوة الاسلامية), وكان من متطلبات رسالته هذه ان يخصص فصل كامل فيها عن حياة الشيخ, فوجه هذا الطالب اسئلة كثيرة للشيخ أرسلها له الى صنعاء - حيث كان يقيم آنذاك – واجاب الشيخ عنها في حينها بخط يده. وك .. المزيد
حكم محاكاة القران
حكم محاكاة القرآن في غير ما نزل فيه  (استخدام الآيات القرآنية بصورة غير مناسبة في المقالات الصحفية) سؤال: إحدى الصحف نشرت في مقال لها ما نصه: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب البيض... ألم يجعل كيدهم في تقويض، وأرسل عليهم صقور التوحيد، وفهودا سمراً صناديد، فجعلهم في منفى أشتاتا رعاديد )، فما قولكم في مثل هذا الكلام ؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، أما .. المزيد

المؤلفات --> البحوث الفقهية

الاختلاف في الشريعة الاسلامية

بحث كتبه الشيخ عام 1392 هـ -1972م ونشر في مجلة كلية الدراسات الاسلامية بعددها الرابع 1972م , بعدها طُبع بكراس منفصل, ونشر ايضاً مع مجموعة بحوث بكتاب تحت اسم "مجموعة بحوث فقهية".

يقول الشيخ عن هذا البحث :

الخلاف في اللغة يعني عدم الاتفاق على شيء بأن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الاخرين في حاله او اقواله او رأيه. كما يعني أيضاً عدم التساوي، فكل مالم يتساو فقد تخالف واختلف والخلاف هو المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً، فهو يدل على ما يدل عليه لفظ الاختلاف وان كان معناه اعم، إذ هو من الضد ولا يلزم من كل مختلفين أن يكونا ضدين، وإن كان كل ضدين مختلفين .

والاختلاف بالمعنى الاصطلاحي عند الفقهاء يعني الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات بما يسعد الانسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا.

  والخلاف يعني ما يعنيه الاختلاف في استعمالات الفقهاء ولكن الامام الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته ذهب إلى أن الخلاف ما صدر عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة الشرعية ولهذا لا يعتد به لأنه ناشئ عن الهوى كما لا يعتد بما يخالف الأمور المقطوع بصحتها في الشرع الإسلامي، أما الاختلاف فعنده، ما صدر عن المجتهدين من آراء في المسائل الاجتهادية التي لا يوجد نص قطعي فيها أو كما يقول هو ما يكون في مسائل تقع بين طرفين واضحين يتعارضان في انظار المجتهدين بسبب خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليها .

والواقع أن هذه التفرقة بين الخلاف والاختلاف، التي قال بها الامام الشاطبي رحمه الله تعالى، هي منه محض اصطلاح لا نرى لها سند، والفقهاء يستعملون الخلاف والاختلاف في معنى واحد، هو: ما لا يتفق عليه الفقهاء في مسائل الاجتهاد بغض النظر عن صواب أو خطأ أو شذوذ الرأي الذي يقال، فمن هذه الاستعمالات قول الإمام ابن تيمية (وهو أقوى من كثير من الأقيسة التي يجنح بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف في أصول الفقه).

وقوله رحمه الله تعالى أيضاً (ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجب عليها ... ) وفي مقدمة ابن خلدون (فاعلم ان هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وانظارهم خلافاً لا بد من وقوعه لما قدمناه ..) وواضح من كلام بن تيمية وابن خلدون أن المراد من كلمة الخلاف هو ما يصدر عن الفقهاء من آراء بغض النظر عن قيمتها أو صوابها أو خطئها وهذا هو معنى الاختلاف .

ما يستفاد من النهي عن الاختلاف :

وإذا كان الاسلام أمر بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرقة والاختلاف، فهذا النهي وذاك الأمر يدلان على جملة أمور، منها :

أولاً: أن الاختلاف شيء يسكن وقوعه بين البشر، لأنه لو كان مستحيل الوقوع لما نهى عنه الشرع الإسلامي، ولما طلب من المكلفين تركه وعدم الوقوع فيه، لأن النهي عن ايقاع المستحيل عبث ينزه عنه الشارع الحكيم .

ثانياً: وإذا كان الاختلاف شيء يمكن وقوعه وصدوره عن البشر فإنه ايضاً يمكن توقيه، ويمكن تحصيل ضده وهو الاتفاق، لما عرف عن اصول الشريعة الإسلامية: لا يكلف إلا بقدور، أو لا تكليف بمستحيل.

ثالثاً: وإذا كان الاختلاف منهياً عنه في الشريعة الإسلامية، فهو ، إذن ، مذموم لأن الأصل أن الذم يتبع النهي أو يقترن به إلا ما استثنى .

رابعاً: وإذا كان الاختلاف منهياً عنه ومذموماً، فمن وقع فيه أو تلبس به حقت عليه المسؤولية ولحقه الجزاء، كما هي القاعدة الشرعية في ارتكاب المنهيات المذمومات .

تساؤل :

وإذا كان الاختلاف ، كما قلنا ، يمكن وقوعه ، ويمكن توقيعه ، وأنه منهي عنه ومذموم ، ويلحق صاحبه الجزاء ، فإننا نتساءل هنا عن مدى امكان وقوع الاختلاف بين البشر، بمعنى هل وقوعه نادر أو كثير أو يصل إلى درجة الحتمية واللزوم ؟ وهل المسلمون مستثنون من وقوعه فيما بينهم أم لا ؟ ثم هل الاختلاف نوع واحد أم أنواع؟ وهل الذم يلحق جميع هذه الأنواع – أن وجدت هذه الأنواع – أم يقتصر على بعضها؟ ثم ماهي أسباب وقوع الخلاف؟ وكيف يمكن توقيه؟ وهل يصيب الجزاء جميع المختلفين؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي ترد على الذهن في هذا الموضوع وما يتصل بكل سؤال من أسئلة فرعية كثيرة .

والحقيقة أن هذا الموضوع واسع جداً ولا يمكن استيعابه في بحث بسيط أو مقالة في مجلة، ومع هذه السعة، فقد آثرت أن اكتب هنا ، شيئاً عنه، تاركاً التفصيل والحرص على الاحاطة بالموضوع إلى فرصه أخرى إن شاء الله تعالى .

أولاً : وقوع الاختلاف

الطبيعة البشرية :

  البشر مختلفون في اشكالهم وصورهم وألوانهم اختلافاً هائلاً بحيث يستحيل أن نجد أثنين متماثلين تمام المماثلة في كل ما يخص أجسامهم وأشكالهم . وهذا الاختلاف في الحقيقة من أعظم الآيات الدالة على عظيم قدرة ربنا تبارك وتعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الاختلاف ونبه إلى دلالته، قال جل جلاله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ). واختلاف البشر لا يقف عند حد الصورة والشكل وإنما يتجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك وأخطر: إلى مواهبهم واستعدادهم وميولهم واتجاهاتهم وعقولهم وذكائهم ومداركهم وطبائعهم وغرائزهم إلى غير ذلك من الأمور الخطيرة التي تكون حقيقة الإنسان الباطنية. واختلاف البشر في هذا المجال واسع جداً يصعب بل يستحيل ضبطه والإحاطة به. بل ان الفرد نفسه لا يستطيع أن يحيط بأغوار نفسه وما انطوت عليه من ميول وما يضطرب فيها من هواجس واتجاهات وانفعالات وتقلبات ودواعي الرضا والسخط والمحبة والكرة والاقدام والأحجام .. الخ . والأمر ما كان   يقول كثيراً في دعائه (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على الإيمان). أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولا أغالي هنا إذا قلت أن الإنسان إذا أراد أن يصف نفسه ويبين دخائلها لعجز عن ذلك . وهذه الاختلافات الهائلة، هي أيضاً، من أعظم الدلائل على القدرة الإلهية .

وقد ترتب على هذه الاختلافات بين البشر، اختلافهم في الآراء والتصورات والاعتقادات، وسهولة رؤية الحق وإدراكه والانجذاب إليه أو الابتعاد عنه، والمحبة له أو السخط عليه، والعيش له أو العيش عليه، إلى درجة أن بعض النفوس تصل إلى درجة العمى المطبق في مجال الرؤية للحق فتنكر الخالق العظيم جل جلاله. بل وأن بعض النفوس، وهي تصر على انكار الخالق العظيم، ترضى بعبادة غيره من بقر أو حجر أو شجر أو بشر، وهذا يدل على مدى ما في طبيعة الانسان من قابلية واستعداد مخيف للانحدار في الضلالة والجهالة والحماقة ، ومن البديهي ان هذا الاختلاف في الآراء والتصورات والاعتقادات بين البشر يتبعه تفرق وسعادة وشقاء في الدنيا والآخرة.

الاختلاف لا بد منه :

وهذا الاختلاف الذي وصفناه، من لوازم خلقة الإنسان وتكوينه ولو شاء الله تعالى لخلق البشر على نمط واحد مثل نسخ الصورة الواحدة، ولكن الله عز وجل لم يشأ ذلك، لأنه لو فعله لما كان هذا الإنسان الذي نشاهده، ولكان جنساً آخر، قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ, إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ) وفي تفسير الرازي بصدد هذه الآية الكريمة (والمراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) فالله جل جلاله لو شاء لخلق الناس على طبيعة واحدة ونسق واحد واستعداد واحد دون تفاوت فيما بينهم ولا اختلاف، وعند ذلك لا يكون بينهم اختلاف في الأفكار والمعتقدات، ولكن الله جل جلاله لم يشأ ذلك لأنه ليس من طبيعة هذا النوع الانساني الموجود على الأرض، فخلقهم على ما هم عليه، وما يترتب على ذلك من اختلاف يصل إلى الاختلاف في الحق الجلي، ولا ينجو من هذا الاختلاف المقيت إلا أولئك الذين أدركتهم رحمة الله تعالى فهدوا إلى الحق، فهم لا يختلفون فيه بل يتفقون عليه وإن كانوا مختلفين مع أهل الباطل المختلفين فيما بينهم. وقال الامام أبو بكر الآجري(إن الله عز وجل قد أعلمنا في كتابه: أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه ليضل من يشاء ويهدي من يشاء .. ثم ساق الآية الكريمة(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ).

هذا ، ويجب أن يذكر هنا، أن ما قلناه عن طبيعة البشر وما يترتب عليها من لزوم الاختلاف لا يعني حتمية وقوع الاختلاف بلا قيد ولا شرط ، وفي جميع الأوقات والأحوال والظروف، كما لا يعني استحالة وقوع الاتفاق بين البشر ولو إلى حين، كما لا يعني استحالة وقوع الاتفاق فيما بينهم، وإنما يعني أن ما قلناه من اختلاف البشر في طبائعهم وميولهم ومداركهم ... الخ . يجعل في البشر استعداداً كافياً للاختلاف المقيت إذا ما تهيأت ظروفه وأسبابه وأنتفت موانعه ، فإذا بقيت الفطرة سليمة أدرك البشر الحق وزالت عنهم اسباب الاختلاف المقيت، لأنه الله تعالى فطرهم على معرفته وعلى ادراك الحق ، ولكن هذه الفطرة يمكن أن تلوث وتنحرف فلا ترى الحق فيقع اصحابها في الاختلاف المقيت، وانحرافها ممكن لأن الانسان مخلوق على نحو يقبل الانحراف، يدل على ذلك كله قول الله وقول رسوله, قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) وقال  ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى أنتم تجدعونها ). وهذا يشبه استعداد الانسان لاكتسابها أو فقدها .

الاختلاف بين المسلمين :

وإذا كان الاختلاف بين البشر من لوازم طبيعتهم، على النحو الذي بيناه، فهل يسري على المسلمين فيختلفون كما اختلف غيرهم؟ الواقع أن القرآن الكريم حذرنا من الاختلاف وتوعد عليه وكذلك السنة النبوية المطهرة، ومع هذا فإن الاختلاف لا بد أن يقع بين المسلمين كما وعد النبي  حيث قال(لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر لا تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن). وكان من سنن الذين قبلنا الاختلاف والافتراق كما جاء في الحديث الشريف, (افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت امتي على ثلاث وسبعين فرقة ).

وقد يقال هنا ما وجه الحكمة إذن في التحذير من الاختلاف والفرقة إذا كان في علم الله إن هذا المحذور – وهو الاختلاف – سيقع كما اخبرنا الرسول  .

والجواب، ان الاخلاف الذي سيقع لا يعم الأمة كلها، فقد اخبرنا الرسول  (لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة ) أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، ولا شك أن التحذير من الاختلاف ستنتفع به هذه الطائفة فتبقى مستمسكه بالحق متفقة عليه غير مختلفة فيه . وأيضاً فإن نفس العلم بما يكرهه الله تعالى – وهو الاختلاف – وما يحبه الله تعالى – وهو الاجتماع – والتصديق بوقوع ما أخبرنا الله تعالى به، كل ذلك خير للمسلم لما فيه من زيادة يقين المسلم باخبارات الشرع . ثم أن هذا التحذير من معاني الرسالة ، ومن المعلوم أن تبليغ معاني الرسالة واجب وإن كان في علم الله تعالى عدم الاستجابة لهذه المعاني أو لبعضها من قبل بعض الناس أو كلهم. ثم أن المسؤولية وما يترتب عليها من جزاء لا تكون إلا بعد الإبلاغ والإنذار قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) فلابد من التحذير من الاختلاف والنهي عنه حتى تقوم الحجة على الناس .

وقد جعلت هذا البحث في ستة فصول :

الفصل الاول في التعريف بالفقه والفقه المقارن .

الفصل الثاني عن مدى امكان وقوع الاختلاف بين البشر .

الفصل الثالث عن انواع الاختلاف والمختلفين وفيه ثلاثة مباحث هي:

الاختلاف المذموم.

الاختلاف الممدوح.

الاختلاف السائغ المقبول.

الفصل الرابع : اسباب الاختلاف المذموم .

الفصل الخامس : الاختلاف السائغ المقبول وفيه اربع مباحث واربعة فروع.

الفصل السادس : موقفنا من الاختلاف والمختلفين .


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2015-03-01 (1084 قراءة)