فيديو
الايمان بالقضاء والقدر واثره في سلوك الفرد للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان
.. المزيد
عن الشيخ
لم  يكتِّب  الشيخ عبدالكريم زيدان رحمه الله سيرته الذاتية بكتاب جامع لها, ولم يكن يكترث كثيرا لهذا (رحمه الله), ولكن شاء الله ان يقوم طالب في جامعة الازهر الشريف بتسجيل رسالة دكتوراه بعنوان (جهود د. عبدالكريم زيدان في خدمة الدعوة الاسلامية), وكان من متطلبات رسالته هذه ان يخصص فصل كامل فيها عن حياة الشيخ, فوجه هذا الطالب اسئلة كثيرة للشيخ أرسلها له الى صنعاء - حيث كان يقيم آنذاك – واجاب الشيخ عنها في حينها بخط يده. وك .. المزيد
حكم محاكاة القران
حكم محاكاة القرآن في غير ما نزل فيه  (استخدام الآيات القرآنية بصورة غير مناسبة في المقالات الصحفية) سؤال: إحدى الصحف نشرت في مقال لها ما نصه: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب البيض... ألم يجعل كيدهم في تقويض، وأرسل عليهم صقور التوحيد، وفهودا سمراً صناديد، فجعلهم في منفى أشتاتا رعاديد )، فما قولكم في مثل هذا الكلام ؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، أما .. المزيد

المؤلفات --> البحوث الفقهية

العُقُوبَةُ  في الشريعة الاسلامية

بحث كتبه الشيخ في ستينيات القرن الماضي, طُبع بكراس منفصل ‏ونشر ايضاً مع مجموعة بحوث بكتاب تحت اسم "مجموعة بحوث فقهية"

‏يقول الشيخ عن هذا البحث:

من خصائص الشريعة الاسلامية الشمول, ونعني يهذه الخصيصة ان الشريعة الاسلامية تنظم مختلف شؤون الحياة وتحكم جميع افعال الانسان وتبين له مناهج السلوك في الحياة وتحدد علاقاته بالله تعالى وبالاخرين من بني جنسه وهكذا لا يخرج عن حكم الشريعة وتنظيمها اي شيء.

والسير بموجب تنظيم الشريعة الاسلامية ومنهاجها والوقوف عند حدودها والالتزام بأحكامها يؤدي قطعا الى السعادة الحقة في الدنيا والاخرة لان الهدى محصور فيها وغير موجود في غيرها , قال تعالى (وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ) وقال تعالى : (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ) فالقران – وهو اساس الشريعة الاسلامية – هدى للناس جميعا, اما تخصيص الهداية في بعض آيات القران بالمؤمنين والمتقين مثل قوله تعالى (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ) وفي قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) فهذا التخصيص لا يعني ان القران نزل للمؤمنين فقط وانه خاص بهم , وانما خصوا به وصار هداية لهم لانهم انتفعوا به دون غيرهم فالقران الكريم كما يقول ابن القيم رحمه الله (هدى بالفعل لمن اهتدى به , وبالقوة لمن لم يهتدي به).

ورفض الاهتداء بهدى الشريعة الاسلامية والانحراف عن منهاجها وقواعدها في السلوك وعصيان اوامرها يؤدي ذلك كله قطعا الى الشقاوة والحياة التعسة ونزول العقاب بالرافضين المنحرفين.

وعقاب العصاة في الشرع الاسلامي للعصاة والمنحرفين عن مناهجه واحكامه نوعان:

النوع الاول : عقاب اخروي يتولاه جل جلاله في الاخرة (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).

والعقاب الاخروي هو الاصل في الشريعة الاسلامية لأنه يتم بعد انتهاء مدة الامتحان واتمام الانسان رحلته على الارض وطي صفحة اعماله, ثم تقويم هذه الاعمال من قبل رب العالمين ثم محاسبة الله للناس في الاخرة على اساس هذا التقويم ولهذا سميت الاخرة بيوم الدين, اي يوم الحساب , وبالتالي ينال المحسن ما يستحقه من ثواب وينال المسيء ما يستحقه من عقاب. وهذا النوع من العقاب هو من مقتضى عدل الرب ومن لوازم الامر والنهي وليس هنا تفصيل ذلك ولا هو من موضوع بحثنا.

النوع الثاني : عقاب دنيوي , وهذا النوع قسمان :

القسم الاول : عقاب جرت به سنة الله الكونية, ويقوم على قانون السبب والمسبب, وربط النتائج بالمقدمات ويصيب الافراد والجماعات في حالة انحرافهم عن شرع الله. ويأخذ هذا النوع اشكالا مختلفة فقد يكون بالهلاك للامة او بتشتت كلمتها وتسليط الاعداء عليها او بضرب المهانة والذلة عليها او بإصابة الناس بالضنك والخوف والقلق ونقص في الانفس والثمرات او بغير ذلك من اشكال العقاب وانواعه.

وقد اشار القران الكريم في كثير من آياته الى سنته الثابتة في هذا النوع من العقاب, من ذلك:

(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).

(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا).

فسنة الله لا تتبدل ولا تتغير في المنحرفين عن شرعه, يصيبهم الدمار وهو من عقاب الله الذي جرت به سنته الكونية في الناس القائمة على ربط السبب بالمسبب والمقدمة بالنتيجة ولا يمكن ان يتخلف هذا القانون او يتعطل وانما تتأخر النتيجة لمانع.

ب – (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ) وقوله تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) فشيوع الظلم في الجماعة سبب لهلاكها , والهلاك نوع من العقاب الدنيوي الذي جرت به سنة الله.

ج – (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) وقوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) فالفشل وذهاب القوة نتيجة للنزاع وعصيان اوامر الله ورسوله. كما ان التفرق وعدم الاعتصام بشرع الله يؤديان الى العذاب, وفي الحديث الشريف( الجماعة رحمة والفرقة عذاب).

د – (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ....) فالمعيشة الضنك بمختلف اشكالها وانواعها سواء اكان الضنك ماديا او معنويا يصيب الافراد والجماعات في حالة انحرافهم عن ذكر الله اي عن شرعه.

هـ - وفي الحديث الشريف عن النبي  ﷺ  (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) فالمحاباة في اقامة الحدود وعدم المساواة امام القانون سبب لهلاك الجماعة.

  ويلاحظ هنا بصدد هذا القسم من العقاب ما يأتي:

  • ان هذا العقاب اذا نزل بالجماعة لتلبسها بأسباب هذا العقاب فانه يصيب الصالح والطالح, قال تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: ( امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكرين اظهرهم فيعمهم العذاب) واصابة الصالح بهذا النوع من العذاب اما ان يكون بمنزلة المرض الذي يصيب الصحيح عند انتشار الوباء, واما ان يكون بسبب تقصير من الصالح في منع اسباب العقاب, وليس هنا تفصيل هذه المسالة.
  • والملاحظة الثانية , ان هذا النوع من العقاب الدنيوي لا يرفع العقاب الاخروي عن مستحقيه وان اصابهم العقاب في الدنيا ,ويكون نزوله في الدنيا مع معاقبتهم في الاخرة بمقتضى سنة الله الكونية وللاعتبار والاتعاظ , قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ).

والقسم الثاني : من العقاب الدنيوي, ويشمل العقوبات التي نصت عليها الشريعة الاسلامية وامرت ولاة الامور بتنفيذها بحق المخالفين لأحكامها بارتكاب ما حرمته او ترك ما اوجبته اي بارتكابهم ما يعتبر جريمة في الشريعة, مثل قطع يد السارق في السرقة, والقصاص في القتل العمد وهكذا.

وهذه العقوبات هي موضوع بحثنا, والتي سنبين اساسها في الفصل الاول واصولها العامة في الفصل الثاني وخصائصها في الفصل الثالث وانواعها في الفصل الرابع.

  ويلاحظ بشان هذه العقوبات ما يأتي:

  •   انها لا تمنع العقاب الاخروي عمن اقيمت عليه, لان العقاب الاخروي يرفع بالتوبة النصوح لا بإقامة العقوبة الدنيوية , قال تعالى : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ , ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ, إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وجاء في ‏الحديث الشريف (أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار) فالسارق لا ‏ترفع عنه العقوبة في الاخرة وان عوقب في الدنيا بقطع يده الا اذا تاب توبة نصوحا.
  • ‏ان تشريع هذه العقوبات يعني امكان وقوع المخالفات للشريعة الاسلامية حتى من قبل المسلمين ‏انفسهم, لان في النفس الانسانية استعدادا للعدوان ونوازع للشر والظلم فكان لا بد من قمع هذه النوازع ‏بتشريع العقاب في الدنيا ليردع عن الاستجابة لهذه النوازع.
  • ان تشريع هذه العقوبات هو من مظاهر شمول الشريعة الذي هو من خصائصها كما قلنا من قبل.‏

وسنتناول في هذا البحث ايضا انواع العقوبات واصولها وخصائصها والاعتراضات على هذه العقوبات من قبل البعض والرد على هذه الاعتراضات.


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2015-03-01 (1078 قراءة)