فيديو
الايمان بالقضاء والقدر واثره في سلوك الفرد للشيخ الدكتور عبد الكريم زيدان
.. المزيد
عن الشيخ
لم  يكتِّب  الشيخ عبدالكريم زيدان رحمه الله سيرته الذاتية بكتاب جامع لها, ولم يكن يكترث كثيرا لهذا (رحمه الله), ولكن شاء الله ان يقوم طالب في جامعة الازهر الشريف بتسجيل رسالة دكتوراه بعنوان (جهود د. عبدالكريم زيدان في خدمة الدعوة الاسلامية), وكان من متطلبات رسالته هذه ان يخصص فصل كامل فيها عن حياة الشيخ, فوجه هذا الطالب اسئلة كثيرة للشيخ أرسلها له الى صنعاء - حيث كان يقيم آنذاك – واجاب الشيخ عنها في حينها بخط يده. وك .. المزيد
حكم محاكاة القران
حكم محاكاة القرآن في غير ما نزل فيه  (استخدام الآيات القرآنية بصورة غير مناسبة في المقالات الصحفية) سؤال: إحدى الصحف نشرت في مقال لها ما نصه: ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب البيض... ألم يجعل كيدهم في تقويض، وأرسل عليهم صقور التوحيد، وفهودا سمراً صناديد، فجعلهم في منفى أشتاتا رعاديد )، فما قولكم في مثل هذا الكلام ؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين، أما .. المزيد

المؤلفات --> البحوث الفقهية

دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية والإقامة فيها

بحث للشيخ عبدالكريم زيدان تناول فيه بحث مسالة مدى جواز دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية ومدى جواز إقامته فيها ومدة هذه الإقامة وهل تلزمه الهجرة منها بعد قضاء مدة إقامته أو لا، وماله علاقة بهذه التساؤلات, طبع هذا البحث عام 2011م مع مجموعة بحوث فقهية أخرى ونشر بكتاب يحمل عنوان (مجموعة بحوث فقهية معاصرة).

 

تمهيد

السؤال عن مدى جواز دخول المسلم إلى دولة غير إسلامية ومدى جواز إقامته فيها ومدة هذه الإقامة وهل تلزمه الهجرة منها بعد قضاء مدة إقامته أو لا ، وماله علاقة بهذه التساؤلات والجواب ما يأتي:

1) يقسم الفقهاء المسلمون البلاد والدول إلى قسمين كبيرين:

   الأول: يطلقون عليه " دار الإسلام".

   الثاني: يطلقون عليه " دار الحرب" ويريدون بهذا الإطلاق " دار الحرب " البلاد أو الدول غير الإسلامية.

وقد عرف الفقهاء دار الإسلام ودار الحرب فقالوا عن دار الإسلام بأنها كل موضع أو أرض يحكمه المسلمون ويظهرون فيه شعائر الإسلام وأحكامه.

ويعرفون دار الحرب بأنها الدار أو البلد أو الدولة التي يحكمها غير المسلمين ويطبقون فيها أحكامهم.

ويلاحظ في هذا التعريف أن المنظور إليه في كون هذا البلد يوصف بأنه إسلامي أو أن هذه الدولة توصف بأنها إسلامية أي "دار الإسلام" حسب استعمال الفقهاء ينظرون إلى من يسيطر عليها ويحكمها فإن رأوا أن السيطرة للمسلمين وحاكمها مسلم قالوا دار إسلام ,ولا يقولون (ويطبق فيها أحكام الإسلام).

وبعض الفقهاء يقولون إنها الدار التي يحكمها المسلمون ولا يقولون بتطبيق أحكام الإسلام فيها، والسبب في ذلك هو أن من البديهيات عند فقهائنا ومن اللوازم الضرورية أن كون هذا البلد يحكمه حاكم مسلم فالنتيجة البديهية هو أنه لا يحكم بغير الإسلام ولذلك لا يقولون يحكمها المسلمون ويطبقون أحكام الإسلام وبعضهم يذكر الأمرين زيادة في التوضيح.

2) ومما يؤكد هذا الذي أقوله أن فقهاء الشافعية أو بعضهم عرف دار الإسلام فقال:

(وليس من شرط دار الإسلام أن يكون فيها مسلمون بل يكفي أن تكون في قبضة الإمام وإسلامه أي أن تكون السلطة بيد هذا الإمام المشروط فيه أن يكون مسلماً) وهذا يؤكد أن النظر في كون الدار دار إسلام هو كونها تحت سلطان المسلمين الذين لا يكون حاكمهم إلا مسلماً، والشأن في الحاكم المسلم أن يطبق أحكام الإسلام، فلا يمنع هذا الإطلاق أن لا يوجد في هذه الدار أناس مسلمون مادام الحاكم يطبق حكم الإسلام.

3) وأما دار الحرب فيعرفها الفقهاء بأنها الدار التي يسيطر عليها غير المسلمين ويطبقون فيها أحكامهم وهذا التعريف يلتقي في نظرته مع النظرة في تعريف دار الإسلام وهو من يستولي على هذه الدار (المسلمون أو غيرهم) لأن تطبيق الأحكام يتبع ملة أو دين الحاكم الذي يختاره أهل تلك الدار.

4) ويلاحظ هنا أن بلاد المسلمين أو دولهم حتى ولو تعددت وصار لكل دولة من هذه الدول حاكم مسلم فإنها تعتبر في نظر الشرع بمنزلة دار واحدة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – (وبلاد الإسلام وإن تعددت فهي بمنزلة البلدة الواحدة)، وأهل هذه الدول الإسلامية المتعددة يعتبرون أمة واحدة وشعباً واحداً تجمعهم عقيدة الإسلام، قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.

ومن هنا لم يعتبر فقهاء الإسلام المسلمين في مصر مختلفين في شيء عن المسلمين في بغداد, وإن كان لكل منهما حاكم مستقل، وكذلك لما قامت دولة إسلامية في أسبانيا ظل ارتباطهم بهم كأنهم أهل بغداد فلا فارق بينهم في شيء قط.

5) ويلاحظ أن الأصل أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة أو حاكم واحد وهذه الحالة التي كان عليها المسلمون في عهد النبي والخلفاء الراشدين ثم بقى الحال كذلك زمن الدولة الأموية، ولكن بعد هذه الدولة صار المسلمون دولاً شتى فأخذ الفقهاء يقدمون التبريرات لمثل هذا التعدد للمسلمين في دولهم حتى يعتذروا بأن حكام هذه الدول حكام شرعيون يجب لهم الطاعة، ولكنهم لم يتنازلوا قط عن المطلوب شرعاً وهو أن يكون للمسلمين دولة واحدة وخليفة واحد وأن قبول هذا التعدد للضرورة وليس تطبيقاً لمقصد شرعي, وهذا القبول من الفقهاء للتعدد وقف عند هذا الحد ولم يرتبوا عليه شروطاً أو واجبات بعد الدولة الأموية والعباسية، ولا تزال هذه النظرة الفقيهة يؤخذ بها في وقتنا الحاضر , وبيان الجواب للسؤال السابق يظهر فيما يلي:

 الأصل في دخول المسلم داراً غير إسلامية هو الحظر, والاستثناء هو الجواز بشرط أن يكون هناك مبرر لدخوله هذا أو إقامته في البلد غير الإسلامي الذي انتقل إليه, ولا خلاف في هذا بين الفقهاء وإذا وجد سبب ما في هذا البلد غير الإسلامي, كما لو كان غير مسلم, أو مسلما ودخل دار الحرب وزال المبرر الشرعي لدخوله, وجب عليه الخروج من هذه الدار إن أمكنه ذلك ولم تكن هناك حاجة ملحة أو مصلحة مؤكدة لبقائه إلى حين كما نبين ذلك إن شاء الله.

المبررات الشرعية لدخول المسلم دولة غير إسلامية ومدة إقامته فيها

6) المبرر الأول: الدخول لغرض التجارة المباحة

ودليل هذا الجواز ما صرح به الفقهاء بناء على إقرار من الخليفة عمر رضي الله عنه دون مخالف له في هذا الإقرار، فمن أقوالهم ما قاله صاحب المغنى ابن قدامه الحنبلي رحمه الله: (إنه مازالت عادة جارية في دخول تجارهم - تجار دار الحرب - إلى دارنا، ودخول تجارنا إلى دارهم) وعمدتهم في ذلك أن الجابي للضرائب التي كان يستوفيها المسلمون من تجار أهل دار الحرب عند دخولهم دار الإسلام كانت بإذن وتقييم من عمر - رضي الله عنه-، وقد ذكر ذلك الأحناف في كتبهم كما ذكر ذلك غيرهم من أن جباة الضرائب التجارية التي كان يستوفيها المسلمون من تجار دار الحرب إذا دخلوا دار الإسلام سأل أحدهم عمر - رضي الله عنه- كم نأخذ ضريبة من تجار أهل دار الحرب إذا دخلوا ؟ فقال كم يأخذون ضريبة من تجارنا إذا دخلوا دارهم فخذوا منهم بقدر ما يأخذون من تجارنا.

ففي هذا السؤال والجواب والتنزيل فيما يخص الضرائب التجارية دون إنكار من أحد صار دخول المسلم لغرض التجارة إلى دار الحرب أمراً مشروعا لأنه حظي بهذا الإجماع وتطبيقه من جهة السماح للتجار المسلمين بالدخول إلى دار الحرب، ولتجار غير المسلمين بالدخول إلى دار الإسلام واستيفاء الضرائب المسماة (بالعشور) وجابيها العاشر وسميت بذلك لأن الغالب هو العشر أو ما ينسب إليه كنصف العشر أو ضعف العشر، والإجماع دليل شرعي، ويبقى التاجر في إقامة مباحة في دار الحرب قدر ما تقتضيه تجارته وهذا المقرر في الذهاب والإياب ، ولا تقيد إباحة الدخول للتجارة ببضاعة معينة لأن الجواز جار مطلقاً ولم يسأل سيدنا عمر ولم يقيدهم بتجارة معينة، فيبقى القيد العام وهو الإباحة الشرعية فلا يجوز الاتجار بشيء محرم شرعاً، حتى ولو كان هذا المحرم مباحا في دار الحرب فلا يجوز مثلاً للمسلم أن تكون بضاعته المسكرات بأنواعها أو المخدرات أو ما يتبعها لأن الحرام لا يجوز أن يتعاطاه المسلم لنفسه كما لا يجوز أن يعين على تعاطيه من قبل غير المسلم، وفي القاعدة الفقهية (ما حرم أخذه حرم إعطاؤه) ومن أحكام هذا الدخول أن يلتزم المسلم بأخلاق الإسلام في تعاطيه التجارة فلا يغش ولا يخادع ولا يجوز له أن يخون أو يحتال على غير المسلم في تعامله مع المسلم في التجارة أو يسعى لسرقتهم ومخادعتهم لأنه لما أعطي الأمان والإذن في دخوله إلى دارهم فهذا الإذن والأمان تقتضيه هذه الالتزامات التي أشرت إليها.

7) ويلاحظ هنا أن هذا المبرر (التجارة) يشمل دخوله لبيع بضاعته في دار الحرب ويشمل شراء مباح من دار الحرب لجلبه إلى دار الإسلام وبيعه فيها ، فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً محرماً ليبيعه في دار الحرب ، ولا أن يشتري شيئاً محرما ليبيعه في دار الإسلام.

ويلاحظ هنا أن المقصود في هذه الإباحة قدر ما تقتضيه أمور التجارة وهي مقصورة على بيع بضاعته التي اتجر فيها ولا تشمل إقامته الدائمة ليفتح مركزاً تجارياً يتخذه مقراً يربط إقامته بها .

8) المبرر الثاني: الدخول للدعوة إلى الله تعالي

والمقصود بالدعوة إلى الله تعالى أي إلى دين الإسلام فينتقل المسلم من بلده الإسلامي إلى بلد غير إسلامي ويقيم فيه هناك ليقوم بتبليغ الدعوة إلى الله لأهل تلك البلاد غير المسلمين ويقيم في تلك البلاد بالقدر الذي يحتاجه لهذا التبليغ، ودليلنا على ذلك أن الإسلام دعوة عالمية لجميع البشر وأن نبينا هو رسول لجميع البشر، قال تعالى في سـبأ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس﴾، وقوله تعالى في سورة الاعراف ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ﴾، ومن حق عموم الناس أن تصلهم هذه الدعوة كما أن من الواجب على المسلم أن يسعى لإيصالها إلى من يستطيع إيصالها إليهم، إتباعاً لمنهج رسول الله في الدعوة ، وتنفيذاً لقوله تعالى في سورة يوسف ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾, فأتباع الرسول, يتبعونه في نهجه ومنهجه للدعوة إلى الله ومن منهجه  عدم الاكتفاء بالبقاء في بلده الذي كان فيه وهو مكة فقد خرج منها إلى الطائف يبلغ أهلها الذين فينبغي أيضاً للمسلم أن يقتضي أثر رسول الله فينتقل إلى البلد غير الإسلامي لتبليغ أهله معاني الدعوة إلى الله لأن الطائف ما كانت بلداً إسلامياً وما كنت من محلات مكة بل كانت تحتاج إلى نقله وفعلها النبي ، وحيث لما كان الإسلام دعوة عالمية وأن من واجبات المسلمين القيام بتبليغ هذا الإسلام إلى عموم البشر وأن هذا التبليغ العام يحتاج إلى انتقال وإقامة في تلك البلاد الإسلامية والقاعدة تقول (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فإن هذه النقلة من دار الإسلام إلى دار الحرب أمر مرغوب فيه قطعاً وقد يكون من الواجبات الكفائية على القادر عليها أو من الواجبات العينية حسب قدرة المسلم وأقل درجة لهذا المطلوب الشرعي من المسلم أن يكون مستحبا لكل مسلم ولو لم يكن ما يعرفه من معاني الإسلام إلا القليل لأن هذه القليل هو مهم وضروري ليعرفه غير المسلم في غير بلاد المسلمين، والإسلام إنما انتشر في كثير من البلاد بهذه النقلة التي قام بها المسلمون كما في جنوب شرق آسيا وهو معروف في تأريخ الدعوات، ويستطيع الداعية أن يقيم في هذا البلد الذي قصده ما يشاء من المدة ما دامت الإقامة لغرض الدعوة إلى الله تعالى، ولا نبالغ إذا قلنا إنه من الواجبات الشرعية الملحة في العصر الحاضر أن يقوم ولاة الأمور في البلاد الإسلامية بتنظيم هذه التنقلات من دار الإسلام إلى دار الحرب للدعوة إلى الإسلام من قبل القادرين والمؤهلين للقيام بها ، وإن لم يكن هناك قدرة على ذلك فعلى المسلمين أن يكونوا الجماعات التي تقوم بهذا الأمر للانتقال إلى البلاد غير الإسلامية حسب تمويل المقيمين فيه ، والمأمول من ولاة أمور المسلمين في البلاد الإسلامية أن ينهضوا بهذا الأمر فيرسلوا الدعاة إلى الله ويهيئوا ما يلزمهم للدعوة إلى الله ويجعلوا هذا الأمر من مهماتهم الأصلية ، فإذا قصروا في هذا الأمر وجب على المسلمين أن يقيموا هذا الواجب بتشكيل الجمعيات والجماعات وتمويل البعوث الإسلامية بالمال اللازم للقيام بمهمة الدعوة إلى الله وتمكينهم من البقاء في تلك الديار وتهيئة ما يلزمهم في الإقامة الدائمة، ويلاحظ هنا أن ما قلناه وإن كان موجهاً إلى البلاد غير الإسلامية فإنه يشمل الانتقال إلى البلاد غير الإسلامية لتثقيف وتفقيه من أسلم بمعاني وأحكام الإسلام وهذا ما كان يفعله النبي  فقد أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة لتعريف من أسلم منهم معاني الإسلام ، ولدعوة من لم يسلم إلى الإسلام، وكذلك يشمل هذا الجواز النقلة إلى البلاد الإسلامية التي فشا فيها الجهل والمعاني المخالفة للإسلام لأجل تبصيرهم بالحقائق الإسلامية وإبعادهم عن هذه المخالفات الشرعية.

9) المبرر الثالث: طلب العلم النافع ومدته إكمال مدة التحصيل

طلب العلم من مطلوبات الشرع التي تتدرج مشروعيتها من الفرضية إلى الإباحة حسب العلم المطلوب والشخص المعين، والذي يقيد العلم المطلوب شرعاً هو العلم النافع وأعظم العلوم النافعة علم الآخرة أي العلم الذي يقربك من الله وتظفر فيه بمرضاة الله ودخول جناته والنجاة من سخطه وعقابه ، ويكون القدر المفروض على المسلم هو ما يلزمه لأداء ما يجب عليه شرعاً ، وهذا يختلف باختلاف الأفراد ، فإذا غلب الأمر صار واجبا عليه أن يتعلم فروض العبادات وكيفية الصلاة الشرعية ، وإذا دخل رمضان عليه أن يتعلم أحكام الصيام، وعند حصول المال يجب تعلم أحكام الزكاة، وإذا كان بالغا عليه أن يعرف الحلال من الحرام في المعاملات التجارية وهذا يختلف باختلاف الإنسان وأطوار حياته.

والنوع الآخر العلوم الدنيوية وهي أنواع منها: الفرض والمستحب والمباح وكل علم يعم نفعه المسلمين ويحقق مطلوباً شرعياً يكون في مقدمة العلوم ومثل هذا تعلم العلوم التي هي وسائل القوة ، قال تعالى في سورة الانفال ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فنتعلم ما يلزم ويحقق القوة بتحصيل وسائلها من الأدوات والآلات المختلفة المحتاج إليها في الحروب والقتال، ويتدرج بعد هذه المرتبة مرتبة لأخرى تحفظ بها صحتهم وعافيتهم التي يتمكنون بها من أداء ما افترضه الله عليهم بهذه النية، وهكذا كل علم يحقق مصلحة للمسلمين بجماعتهم أو أفرادهم أو للمتعلم نفسه يدخل في دائرة الغرض الشرعي وجوباً أو استحباباً، وما لا ينفع فهو مضيعة للوقت والعمر, كعلم الفلسفة وما سواه من أسماء أخرى كالسحر ، وما يعين على الفجور، وأما ما هو مباح كالتوسع في معرفة ما يوسع على الإنسان في معيشته والأدوات المعيشية, فإن العاقل لا يربط نفسه إلا بتعلم ما هو الأهم فالأهم.

10) وبعد هذه المقدمة يجوز للمسلم الانتقال إلى دار الحرب فيمكث فيها المدة الكافية لتعلم العلوم التي تنفع المسلمين وتسهل لهم وسائل القوة والعافية واستثمار خيرات بلادهم ونحو ذلك، مما يقوى المسلمين في جميع مجالات الحياة في شئون الحرب والصناعة والزراعة وغير ذلك، وبهذه العلوم النافعة يتحقق لهم العلو والتمكين وتكون لهم وسائل القوة في الحياة الدنيا فضلا عن أن الحق الذي يحملونه لابد له من قوة تحفظه وتدافع عنه وتحميه من الشرور وتمكن لأهله في الأرض، ويجب على ولاة الأمور أن ينظروا إلى هذه الأمور فيرسلوا الطلاب لتعلم هذه الأمور في غير بلاد المسلمين ليمكثوا المدة اللازمة لدراستها، ومما يزيد في فرضية أو استحباب ذلك ونقله إلى ديار غير المسلمين الذين يملكون هذه العلوم أن الله تعالى أمر بالعلم النافع ولم يقيده بمكان معين وإنما قيده بكونه علماً نافعاً مشروعاً مباحاً مرغوباً فيه، أما المكان والمعلم فلا يشترط فيه أن يكون في دار الإسلام وأن يتلقاه من مسلم ، وإنما يتلقاه من أهله وإن كانوا في غير بلاد المسلمين.

ويلاحظ هنا أن طلب العلم النافع إذا كان يمكن تحصيله في دار الإسلام فلا يكون هناك مبرر للانتقال إلى دار الحرب لتعلم العلم إلا إذا كان في هذه الدار زيادة علم عما هو في دار الإسلام ومما ينبغي ملاحظة عند طلب العلم النافع الذي يستلزم النقلة إلى تلك الديار اختيار الرجل القوي في دينه وأمانته وإن كان مبعوثا من قبل الدولة فعليها أن تلاحظ هذه الملاحظة وتعين المراقبين لمتابعة هؤلاء لأن الحفاظ على عقيدة المسلم أهم من الإرسال إن كان في هذا الطلب تعريض لعقيدته بالزوال.

11) المبرر الرابع: اللجوء السياسي

ويقصد بهذا الاصطلاح أن الإنسان لا يجد له ملجأ منيعاً آمنا في بلده وقد يجده في غير بلده فيسعى إلى موافقة هذا البلد غير الإسلامي بأن يقبله ويقبل إقامته فيه فإن كان سبب قبول إقامته فيه بمعنى سياسي لكونه يخاصم دولته ويخشى على نفسه بطشها فإذا قبلت إقامته فيها سمى انتقاله (باللجوء السياسي).

12) فإذا انتقلنا إلى حال المسلم الذي لا يجد بلداً إسلامياً يقبل لجوءه إليه فهل يجوز له أن يلتجئ إلى بلد غير إسلامييقبل هذا اللجوء إليه ويوطن له الأمن والأمان أو لا يجوز ذلك؟

13) والجواب على هذا السؤال:أنه يجوز له أن يطلب ويسعى من أجل اللجوء السياسي في بلد غير إسلامي إذا تعذرت عليه الإقامة في وطنه، وتعذر عليه قبول إقامته في بلد إسلامي آخر، والدليل على ذلك السنة النبوية الصحيحة الثابتة فإن المسلمين في مكة جردوا وعذبوا وأوذوا كثيراً وكان الرسول ﷺ يراهم ولا يقدر على دفع الأذى عنهم فقال لهم (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه), فالنبي ﷺ جند ورغب وليس مجرد الإذن فقط ليدفع عنهم الأذى، وما كانت أرض الحبشة دار إسلام وذكر العلة أنهم يجدون الأمن والعدل المفقود في مكة وجعل السماح والإذن إلى أن يفرج الله عنهم ويزيل الاضطهاد بالتمكين وقد حصل وكذا تنكيس راية الشرك وقد حصل وقد خرج في شهر رجب سنة (5 هجرية) جماعة من المسلمين إلى الحبشة وكان عددهم قليلاً مع جماعة نسوة وهذا واضح الدلالة في جواز هذا اللجوء أو الانتقال إلى دار الحرب بسبب الاضطهاد.

14) ومدة هذا اللجوء مدة بقاء سبب اللجوء فإذا زال أو غلب زواله رجع إلى بلده المسلم ، ولما سمع المهاجرون أن قريشا خففت الاضطهاد رجع بعضهم فتبين أن ما سمعوه ليس صحيحاً فمنهم من دخل متخيفا ومنهم من دخل في جوار كافر كعثمان بن مظعون دخل في جوار المغيرة وأبو سلمة ابن أخت أبي طالب دخل في جوار خاله أبي طالب ، ومنهم من رجع ، ثم خرجوا في الهجرة الثانية لطلب الأمن والأمان، وكان عدد المهاجرين في الفوج الأول (الهجرة الأولى إلى الحبشة) اثني عشر رجلاً وأربع نسوة رئيسهم عثمان بن عفان ومعه السيدة رقيه بنت رسول الله وفي الهجرة الثانية كان عددهم ثلاثاً وثمانين رجلاً إن كان فيهم عمار فإنه يشك فيه وثماني عشرة أو تسع عشرة امرأة وبالأول جزم العلامة محمد بن سليمان المنصور فوري كما صرح بذلك مؤلف الرحيق المختوم.

15) المبرر الخامس: التداوي والعلاج من الأمراض

التداوي في حكم الشرع يدخل في حكم المباح وإن قال بعض الفقهاء من الشافعية إنه مستحب، ومن قال بأنه مكروه أو مناقض للتوكل فقوله ضعيف والأدلة تدفعه ففي قوله تعالى ممتنا على عباده بما يخرج من بطون النحل من شراب مختلف ألوانه قال تعالى في سورة النحل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾، وكونه شفاء فيه إشارة إلى أنه يمكن تعاطيه لتحقيق هذا المعنى وهو الشفاء والبرء من المرض كما في الحديث الشريف( لكل داء دواء) وفي حديث آخر (تداوو ا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا وجعل معه دواء علمه من علمه وجهله من جهله) واستثنى الهرم، فدرجة مشروعية الدواء الإباحة ولو تركه المسلم حتى مات بسبب مرضه لا يكون آثماً، ولا ينزل منزله قاتل نفسه خلافاً للممتنع عن أكل الطعام حتى مات جوعاً فإنه يأثم وينزل منزلة قاتل نفسه والسبب في ذلك أن الامتناع عن الطعام امتناع عما يؤدي إلى الهلاك يقيناً حسب سنة الله في الهلاك أو الموت بخلاف الامتناع عن الدواء فإنه لم يصل إلى درجة اليقين في دفع الهلاك عند عدم استعماله،

16) وبعد هذه المقدمة يجوز للمسلم أو المسلمة تعاطي الدواء في دار الإسلام بل يجوز أن يكشف من عورته ما يقتضيه ويستلزمه ويحتاجه العلاج سواء كان ذلك للرجل أو للمرأة بل قال الفقهاء يجوز للمرأة أن تكشف من عورتها للطبيب إذا لم تكن هناك امرأة تعالجها, كما قرر الفقهاء أنه يجوز لغير المسلم أن يعالج المريض المسلم وذهب بعضهم إلى أن الطبيب غير المسلم إذا كان أكثر علماً ودراية وحرصاً وتجربة من الطبيب المسلم فلا بأس أن يرجحه المريض المسلم على الطبيب المسلم الذي لم يصل علمه إلى درجة الطبيب غير المسلم ولم يقيدوه بكون العلاج في دار الإسلام, وبالتالي إذا رأي المريض المسلم أو المسلمة أن العلاج أو الدواء في بلد غير إسلامي أكثر احتمالا لحصول الشفاء له مما هو متيسر في دار الإسلام فلا بأس من الذهاب إلى هذا البلد غير الإسلامي والإقامة فيه بقدر ما يتطلبه العلاج.

والسؤال هنا: هل يمكن أن يصل العلاج إلى درجة الوجوب؟

الظاهر لنا أنه لا يصل وإنما قد يصل إليه فيكون مندوباً كلما كان هذا النوع من العلاج أو الدواء أو العملية الغالب فيها الشفاء والنادر فيها الهلاك ، وأن الغالب في ترك العلاج هلاك المريض في هذه الأحوال فيمكن أن يقال إن تعاطي العلاج أو الدواء يكون مندوباً ندباً شديداً نستطيع إيصاله إلى درجة الوجوب التي من تركها كان آثماً .

17) المبرر السادس: الإطلاع على أحوال البلاد الكافرة

وإذا أراد المسلم أن يسافر إلى بلد غير إسلامي لغير الأسباب التي ذكرت سابقاً وإنما لمجرد الإطلاع والرغبة في معرفة أحوال تلك البلاد أو ما يسمى عند البعض بالسياحة فلا نرى مانعاً يمنع من ذلك على أن لا يعقد معها رغبة في الإقامة في تلك البلاد واحتمال التأثر بما لا يجوز شرعاً، فإن عريت من هذه المفاسد والاحتمالات فيجوز للمسلم أن يسافر أو ينتقل إلى بلد غير إسلامي للإطلاع على أحوال تلك البلاد, ويستحسن في هذه الحالة أن لا يخلو المسلم من نية التبليغ للدعوة بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة والاستمساك بالمظاهر الإسلامية في قوله وفعله ولباسه ومعاملته وامتناعه من الاختلاط المحرم بالنساء وغير ذلك بحيث يعرف أهل تلك البلاد غير المسلمين بأن هذا مسلك المسلم وأدبه مما يدعوهم إلى التأثر أو الإعجاب به أو الإقبال على دراسة الإسلام ونحو ذلك.

18)  خلاصة وتوضيح

وخلاصة ما ذكرناه هو أن المقصود من جعل هذه المبررات لدخول دار الحرب والمنع من هذا الدخول إذا خلت من هذه المبررات إنما نقصد بهذا المنع من الإقامة في دار الحرب أولاً، ونقصد ثانياً المنع من الدخول إليها إذا خيف على المسلم التأثر بأي مفسدة منهي عنها شرعاً لأن درأ المفاسد أولى من جلب المصالح وإن كانت مصلحة المتعة أو السياحة.

19) مسألة: مشاركة المسلم في بعض المؤسسات في البلد غير الإسلامي

قد يكون وجود المسلم سبباً في تمتعه بحق المشاركة في انتخابات المجالس النيابية لكونه قد تجنس بجنسية ذلك البلد أو لأي سبب آخر كما لو ولد لمسلم هناك مولود فحاز جنسية ذلك البلد بحكم الولادة فيها، وكان مقيماً في ذلك البلد وصار له حق الاشتراك في الانتخابات النيابية فهل يجوز له الاشتراك في هذه الانتخابات أو لا؟

والجواب على ذلك على ما نرى: يجوز له ذلك كلما كان في مشاركته هذه مصلحة للمسلمين في ذلك البلد أو للمسلمين خارج هذا البلد ودليلنا على ذلك ما يأتي :

أن من أصول الشريعة رعاية المصالح ما دامت لا تخالف الشرع لأن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا لتحقيق المصالح ودرأ المفاسد، وتقليل المفاسد وتكثير المصالح كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - ونبه علي ذلك علماء كثيرون كتلميذه ابن القيم والشاطبي صاحب الموافقات والعز بن عبد السلام وغيرهم، ومع وجود هذا الأصل والغرض من وضع الشريعة فهناك أصل آخر نحتاجه للجواب عن ما سألنا عنه ، وهذا الأصل هو:

(يجوز الأخذ بجزئية نافعة للمسلمين أو للمسلم من نظام كافر ولا يعتبر هذا الأخذ إتباعاً للنظام الكافر أو رضاء به)

20) ودليلنا على هذا الأصل المهم جداً هو ما يأتي:

أن النبي أخذ بجزئية الجوار المأخوذ به في نظام كفار قريش وكفار سائر العرب ومعنى الجوار هو أن يجير رجل ذو نفوذ وسلطة شخصاً آخر ويعلن هذا الجوار وبمقتضاه يكون أي اعتداء على الممنوح له هذا الجوار اعتداءً على المجير نفسه, فقد أخذ كما قلت النبي والصحابة بعلم من رسول الله  بهذه الجزئية من نظام الجاهلية، ومن الوقائع التي تشهد على ما قلناه أن النبي ﷺ رضي بجوار عمه أبي طالب وبحمايته له، وأنه عليه الصلاة والسلام لما رجع من الطائف أرسل عبد الله بن أريقط إلى المطعم بن عدي بشأن جواره له في دخول مكة فقال المطعم للرجل نعم أنا أجيره فأمره أن يأتي إلينا وينام عندنا الليلة فتوجه النبي ﷺ وبات عنده ثم خرج مطعم والنبي  وبنو المطعم وكان ستة أو سبعة متقلدين سيوفهم فدخلوا المسجد الحرام فقال أبو سفيان: أمجير أنت أم تابع؟ فقال أنا مجير، قال أبو سفيان: لا تخفر ذمتك، وكان رجوعه من الطائف التي ذهب إليها بعد وفاة عمه أبي طالب الذي كان قد أعلن حمايته لابن أخيه محمد ﷺ. ومن أحكام الجوار, أن الذين هاجروا إلى الحبشة ورجعوا إليها وكان من جملتهم أبو سلمة الذي دخل في جوار خاله أبي طالب فجاء قوم من بنى مخزوم قالوا له يا أبا طالب: لقد منعت ابن أخيك أي أجرته، فما لك ولصاحبنا أبي سلمه تمنعه أيضا، قال : لقد استجار بي وإن لم أمنعه وهو ابن أختي، فلا امنعه ابن أخي يقصد النبي فلما أراد أبو بكر أن يهاجر إلى الحبشة لقيه ابن الدغنه فقال: إلى أين؟ قال: أهاجر، قال: مثلك لا يَخرُج ولا يُخرَج وأنت في جواري فرجع أبو بكر إلى جوار ابن الدغنة. وقد أجار العاصي بن وائل السهمي عمر بن الخطاب عندما علمت قريش بإسلامه وعندما رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة في الهجرة الأولى وقد سمعوا خفة العذاب عن المسلمين ثم تبين لهم خلاف ذلك دخل عثمان بن مظعون في جوار كافر, وكل أولئك لم يكونوا مسلمين, وقبل النبي ومن ذكرنا جوارهم فدل ذلك على جواز أن يستعين المسلم بجزئية من النظام الكافر إذا كان من شأن الاستعانة أن تؤدي إلى مصلحة دون أن تخدش هذه الجزئية إيمان المسلم أو معنى من معانيه, وعلى هذا إذا كان في نظام البلد الكافر جزئية تجيز الاشتراك في الانتخابات فيجوز للمسلم انتخاب الكافر لعضوية المجلس إذا كان انتخابه يحقق مصلحة للمسلمين في داخل ذلك البلد أو خارجه لكونه يدافع عن حقوقهم أو يمنع الظلم عنهم أو على الأقل لا يعين على المسلمين،

21) فالدخول لتحقيق هذه الجزئية أمر جائز قياساً على جواز الاستعانة بجزئية الجوار في نظام الجاهلية، وإن كان بوسع المسلم وطائفته اختيار مسلم فعليهم اختيار المسلم ولكن إذا علموا أن أصواتهم لا تمكنهم من انتخاب المسلم فعليهم أن ينتخبوا من هو أقل شرا وأكثر دفاعاً عن حقوقهم بما يبيحه لهم قانون البلد، وبناءً على هذه الجزئية يجوز للمسلم أن يطالب بحقوق المسلمين بحجة أن ذلك من حقوق الإنسان ويستنكر ظلم ولاة الأمور على أساس أن ذلك من حقوق الإنسان وأن قوانينهم تمنع التعسف في نظام السلطة.

22) وكذلك يجوز للمسلم في تلك البلاد أن يشارك في انتخاب مجالس البلدية التي ليس فيها سن قوانين لكونه من المقيمين ـ يجوز له ذلك فينتخب مسلماً فإن لم يتيسر له فينتخب من هو أقرب نفعاً للمسلمين في تلك المجالس البلدية لأن مشاركة المسلم في هذه المجالس فيها احتمال تحقيق المصلحة وتقليل المفسدة قدر الإمكان أما الامتناع عن المشاركة فليس فيها أي مصلحة ولا أي دفع للمفسدة بل ربما سيختار من هو أشد ضرراً فلا خير في هذا الشر وليس في الترك أي معنى مرغوب شرعاً, علماً بأننا نعالج هذه المسألة باعتبار أن المسلم له حق المشاركة لحمله جنسية ذلك البلد بالتجنس الاختياري أو الإجباري المبنى على الولادة في ذلك البلد ولسنا من المحرضين على التجنيس لإمكان المشاركة وإنما نعالج هذا الأمر الواقعي، وبإمكاننا أن نقول إن للمسلم أن يحتج بقوانين البلد لدفع ضرر عن نفسه قياساً على جزئيه الجوار.

  الخروج من دار الحرب

23) إذا كان المسلم في بلد غير إسلامي لسبب ما فهل يجب عليه الخروج من هذه الدار أو الهجرة منها؟

أجاب الفقهاء عن ذلك في ضوء قوله تعالى في سورة النساء ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض  قالو الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها....﴾، وفي ضوء هذه الآية الكريمة قرروا ما يأتي:

ذكر الفقهاء عن الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام تفصيلاً فقال بعضهم: إن الهجرة انقطعت بحجة ما ثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا),  وقال آخرون الهجرة باقية إلى يوم القيامة واستدلوا بحديث عن معاوية- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله يقول (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها), والمقصود بالهجرة أن البلد غير الإسلامي إذا فتحه المسلمون وصار دار سلام وحكمه المسلمون لا تتعين الهجرة منه لكونه صار دار إسلام ومثله مكة لما فتحت, والقول الثاني هو الصحيح وهو أن حكم الهجرة قائم واجب ما دام سببه قائماً.

24) فإذا كان المسلم في دار الكفر يقدر على الهجرة ويقدر على إقامة أمور دينه وواجباته فهذا لا تجب عليه الهجرة، أما إذا لم يستطع أن يقوم بواجبات دينه ومتطلباته وهو قادر على الهجرة فتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام لأن قيامه بواجبات دينه واجب عليه "و ما لا يتم ويتأتى الواجب إلا به فهو واجب" وحيث أن الواجبات لا تكون إلا بهجرته فواجب عليه ذلك .

وأما العاجزون كالشيوخ والنساء والولدان فهؤلاء لا توصف هجرتهم بالوجوب لأنهم إما عاجزون ولا يكلفون بما يكلف به القادر ، أو هم غير مكلفين كالولدان وذكرهم للإشعار بأهمية الهجرة بحيث لو كانوا يقدرون على ذلك لكان مطلوبا منهم الهجرة كما ذكر ذلك أهل التفسير .

وأما من يقدر أن يقوم بواجباته فيستحب له الهجرة من دار الكفر حتى لا يكثر العدد ويعرض نفسه للتأثر بعادات وأخلاق وعقائد أهل دار الكفر ولأن في انتقاله إلى دار الإسلام تكثيراً لعدد المسلمين وكل هذه الأمور يستحب مراعاتها ، فيقال له رحيلك إلى دار الإسلام مرغوب ومستحب, والتعقيب على هؤلاء المدعين إقامة الدين في دار الكفر أن يقال لا يمكن أبداً أن تقيموا ذلك إذا كان هدفكم العلاج أو السياحة، وإنما يؤدي أحدكم الصلاة والصيام فقط، بعيداً عن إزالة المنكرات ومع الخضوع لقوانينهم فضلاً عن تعرضه لعادات القوم والاحتمال الشديد لتأثره على غالب الظن وفي أمور المعاملات لا ينظر إلى الغالب بل إلى الاحتمال كما هي القاعدة ، ووجوده دون مبرر يحتمل عليه التأثر خاصة للأولاد والفتيات كما هو معلوم ومشاهد.

25) زواج المسلم في دار الحرب

المقصود زواج المسلم بامرأة كتابية وتفصيل ذلك كما يلي:

    أولاً: المرغوب فيه أن يتزوج المسلم امرأة مسلمة لا امرأة كتابية لسببين:

- لئلا تكثر العوانس من النساء المسلمات .

- ثم إن المرأة المسلمة تربي أولادها على الإسلام ، والطفل يتأثر بأمه كثيراً خاصة حال سن الطفولة.

ومع ما ذكرناه فيجوز ولا يحرم نكاح الكتابية بعد أن أباحه الله ولكن لا يمنع أن نقول إن الأرجحية تكون في زواج المسلم بالمسلمة.

    ثانياً: إذا تزوج فليتزوج امرأة مسلمة هناك وهو تقوية لإيمانها خير من التزوج بكتابية غير مسلمة .

    ثالثاً: ليحذر المسلم أن يقع في مسألة وهي أن يتزوج كتابية أو مسلمة تحمل جنسية ذلك البلد لقصد الحصول على جنسية ذلك البلد حسب قوانينهم في تجنيس من يتزوج امرأة منهم، وهذا ما فعله بعض الشباب المسلم هناك فيحصل على الجنسية ثم يطلقها لوجود معنى التوقيت والإضرار بالزوجة والعون على ردة المسلمة، والأمور بمقاصدها ولا ضرر ولا ضرار، وهو من باب الصد عن سبيل الله والمعاونة على الارتداد عن دين الله، وقدوة سيئة للكتابيات اللواتي يردن الإسلام .

    رابعاً: قد يتشبث بعضهم بموضوع (الزواج بنية الطلاق) وهذا القول دون نظر وغوص إلى اعتبار النيات والنيات بمحل اعتبار شرعاً والنظر إلى المقصود والنيات مطلوب والمحلل الذي يتزوج المطلقة ثلاثاً لتحل لمطلقها الأول يحرم فعله وقد ، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية يصدق عليه اسم الشيء المستعار، وقوله صحيح فلا يقع الطلاق بالنية ولا الوقف بالنية ثم لماذا ينوي الشر مقدماً؟ ولا يحصل هذا إلا من شرير فيفعل الشيء وينوي ضده ثم عليه أن يصارحها بهذا، فسد الذرائع والنظر إلى المآلات أصل من أصول الدين .

26) ولا عبرة بمجرد مشروعية الظاهر ودليلنا على ذلك أن المنافقين الذي بنوا مسجد الضرار في المدينة ولا يهمهم إلا من يقصده للصلاة وقد طلب المنافقون الصلاة فيه من النبي عليه الصلاة والسلام فوافق عند رجوعه من تبوك فنزل قول الله تعالى في سورة التوبة ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، ووجه الدلالة في الآية أنهم بنوا مسجداً ولم يبنوا حانة للخمور ولا محلاً للرقص ولكن قصدهم تجميع المنافقين فلم ينههم الله عن الصلاة فيه فقط بل أمرهم بهدمه، لئلا يبقى المباح شرعاً في الظاهر المؤدي إلى مفاسد فعلى المسلم أن لا يقف عند الظاهر فقط بل ينظر إلى الدوافع والقصود فإذا ظهرت النية بالقرينة الصالحة لم يعد أمراً مستترا بل يصبح أمراً منكشفاً والسريرة إذا انكشفت صارت أمراً ظاهرا ولا يقال الشريعة على الظاهر والله يتولى السرائر احتجاجاً بقول الشافعي وحق المسجد والمنارة الهدم وهؤلاء الطلاب يكون هذا حكمهم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.


طباعة هذه الصفحة طباعة هذه الصفحة

نشرت بتاريخ: 2015-02-19 (813 قراءة)